Skip to main content

الرَّاجِحُ فِي مَسِّ الحَائِضِ وَالجُنُبِ القُرْآنَ وَتِلَاوَتِهِ

By الخميس 2 جمادى الأولى 1437هـ 11-2-2016ممحرم 20, 1441بحوث ومسائل, فتاوى, فقه

1. لدى مناقشة كثير من مسائل الأحكام والحلال والحرام، يجب استحضار دليل، هو من أقوى الأدلة إطلاقاً، وهو ما يسمى بالبراءة الأصلية. ومعنى هذا أنّ الأصل في المسلم براءة ذمته من أي تكليف شرعي، ما لم يأت دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة ينقله من براءة الذمة إلى شغلها بتكليف ما. ولما كانت البراءة الأصلية من أقوى الأدلة كما سلف، فلا ينقل المسلم عن ذلك الأصل إلا دليل قوي صحيح، فلا يعتد بالنصوص الضعيفة، وأنْ يُجمع إلى القوة والصحة أنْ يكون صريحاً وواضحاً في دلالته، فلا تقوم الحجة بدليل محتمل غير واضح الدلالة.

2. الموضوع المطروح بين أيدينا الآن سيقت له في كتب الفقه مجموعة أدلة، هذه أبرزها:

أ. قوله تعالى:(لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ).

ب. وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يمس القرآن إلا طاهر).

ج. وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقرأ الجنب والحائض شيئاً من القرآن).

د. وحديث علي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة).

وإلى مناقشة تلك الأدلة:

إنّ سياق الآية الكريمة يدل أنّ المذكور أنّه لا يُمَس، هو الكتاب المكنون في اللوح المحفوظ، وليس المصحف الذي بين أيدي الناس (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ). كما أنّ صيغة الآية صيغة إخبار وليست صيغة نهي، ولو كانت كذلك لكان اللفظ (لا يَمْسَسْه). وعلى هذا يكون المطهرون الذين يمسونه هم الملائكة الكرام الذين طهرهم الله من الكفر والشرك والعصيان له.

أما حديث (لا يمس القرآن إلا طاهر) فالحديث رغم ما يقال في سنده والاختلاف بين العلماء على صحته، إلا أنّه يتقوى بتعدد طرقه. وعلى فرض صحته فدلالته أنّه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان طاهرًا ولكن الطاهر لفظ مشترك يطلق على المؤمن المطهر بالإيمان، بدليل قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) وقوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم لأبي هريرة: ‏(‏المؤمن لا ينجس‏). وقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً). ويطلق اسم الطاهر على:

. الطاهر من الحدث الأكبر بدليل قوله تعالى: (‏وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا).

. الطاهر من الحدث الأصغر بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين:‏ (دَعْهُمَا، فَإِنِّى أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ).

. كل ما لا نجاسة حكمية ولا حسية عليه، فيقال مكان طاهر وثوب طاهر وبدن طاهر.

وإذا كان في دليل ما لفظ مشترك فلا بد من تعيين معنى واحد للفظ المشترك يحمل عليه الدليل، ولا بد لهذا التعيين من قرائن وأدلة. ويتعين هنا حمل حديث (لا يمس القرآن إلا طاهر) أنّ الطاهر هو المؤمن بقرائن: قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) وحديث: (المؤمن لا ينجس) وحديث: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ). وفي رواية: (لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فَإِنِّي لَا آمن أَن يَنَالهُ الْعَدو).

يقول السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير‏:‏ (إنّ إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث الأصغر لا يصح لا حقيقة ولا مجازًا ولا لغة فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائمًا فلا يتناوله الحديث سواء كان جنبًا أو حائضًا أو محدثًا أو على بدنه نجاسة‏).


أما الحديثان الواردان في فقرة (ج ، د) فضعيفان لا تقوم بهما الحجة.

وإذا لم يكن هنالك دليل لا من كتاب ولا من سنة ثابتة بقي الأمر على البراءة الأصلية وهي الإباحة كما قدمنا.

يُضاف إلى ما ذكر نصوص صحيحة تؤكد ما ذهبنا إليه:

1. حديث عائشة رضي الله عنها (كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله عز وجل على كل أحيانه) وهي التي روت أيضاً: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجنب ثم ينام ولا يمس ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل) فهل يعقل أن يأوي الرسول صلى الله عليه وسلم إلى فراشه وينام دون أن يقرأ أذكار النوم التي علمها أمته وفيها آيات من كتاب الله..؟

2. لما حاضت عائشة رضي الله عنها في الحج، قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنّ هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي وأهلي بالحج واقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي). وإذا طبقنا القاعدة الأصولية (أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة) لزم التسليم بأنّ الحائض لا تُمنع من أي عمل عبادي غير المذكور في الحديث، وإلا لبُيّن من قبل النبي صلى الله عليه وسلم. وهل يُعقل أنّ من تحج بيت الله تمتنع عن كتاب ربها مساً لقراءة حاضرة أو تلاوة..؟

3. عن عائشة رضي الله عنها قالت: (قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ: (نَاوِلِينِى الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ). قَالَتْ فَقُلْتُ إِنِّى حَائِضٌ. فَقَالَ: (إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِى يَدِكِ)).
ويؤخذ من هذا الحديث أن
ّ نجاسة الحيض حكمية وليست حسية ما عدا دم الحيض فهو نجس لكن جسد المرأة لا ينجس بالحيض (وهذا من عقائد اليهود الذين كانوا إذا حاضت المرأة اعتزلوها اعتزالاً كاملاً حتى إنّهم لا يؤاكلونها ولا يشاربونها، وجاء الإسلام ليلغي ذلك). كما يؤخذ من الحديث أيضاً، أنّ حيض المرأة لا يرتبط بإرادتها وبالتالي لا يحول بينها وبين أعمال عبادية إلا ما جاء به النص كالصلاة والصيام والطواف.

وختاماً نقول: إذا كان البحث المتقدم بيَّن جواز مس الحائض والجنب للقرآن وتلاوته فلا بد أن نبين أنّ الأولى التطهر لذلك (استحباباً لا وجوباً) للحديث الآتي:

(أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغائط فلقيه رجل عند بئر جمل فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل على الحائط، فوضع يده على الحائط ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرجل السلام). وفي رواية صحيحة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّي كرهت أن أذكر الله إلا على طهر).

هذا والله أعلم ورد العلم إليه أسلم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.