@import url(https://db.onlinewebfonts.com/c/dd1e2ecd17620c6c80cdc79f20aa1bde?family=Simplified+Arabic);

مَنَاسِكُ الحَجِّ وَالعُــمْـرِةِ…

By مايو 10th, 2026No Comments

إعلم أخي الحاج والمعتمر أنّك تؤدي الركن المؤجل من أركان الإسلام، وهو أداء الحج بعد أنْ جعلك الله بفضله من مستطيعيه وهيأ لك أسبابه. وقد تكون زيارتك هذه الأولى والأخيرة، فما تدري .. وأفضل الخلق صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة، وهو القدوة والأسوة. واحرص في هذه الرحلة على سلوك طريق الاتباع للمعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وتذكر قول الله: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
وإياك والابتداع وسلوك السبل التي تضلك عن سبيل الله (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
فالله لا يُعبد إلا بما شرع .. والشرع لا يؤخذ ولا يعرف إلا من طريق هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسنته الصحيحة.
لذلك كان يقول صلى الله عليه وسلم لمن حوله من الأصحاب في حجة الوداع: (لتأخذوا عني مناسككم، فإنّي لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه).
وما من قائل إلا يُؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتبعية لكل مخلوق مذلة ومضلة وضياع، إلا للمبعوث رحمة للعالمين ففيها تتحقق العبودية الخالصة لله رب العالمين. وأذكرك يا أخي، بارك الله فيك، بما أجمع عليه علماء الأمة، بأنّ الله لا يقبل من العبد عملاً إلا بتحقق شرطين في ذلك العمل. أولهما إخلاص النية فيه لله وحده (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). وثانيهما الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتطبيق سنته وهديه (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ). والإخلال بأحد هذين الشرطين، أو بهما معاً يجعل عمل المسلم مرفوضاً مردوداً عند الله، ولا يشفع لصاحبه التعب والنصب والسهر والانفاق.
وما أظنك أخي بذلت وأنفقت وتعبت ونصبت ليقال لك بعد ذلك:

وما حججت ولكن حجت العير

ولا تغرنك في دين الله الكثرة والجموع، والصخب والنصب، فربك يقول: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) فالكثرة قد ذمها الله تبارك وتعالى وجعلها قائداً إلى الضلال.
ولا تزهد في أكبر وأعظم نعم الله عليك أنْ هداك إليه، وللإيمان بكتابٍ أنزله، ونبي أرسله .. فلا تطلب الهداية بغيرهما، وقد ضمن الله لك استمرار الهداية بهما إلى يوم القيامة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما، ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض).
أسال الله لك يا أخي القبول والتيسير، والهداية لكل خير.

بين يدي الإحرام:
1. يستحب لمن عزم على الحج أو العمرة المفردة، أنْ يغتسل للإحرام، ولو كانت حائضاً أو نفساء.ثم يلبس الرجل ما شاء من الألبسة التي لم تفصل على قدر الأعضاء، وهي المسماة عند الفقهاء بــ (غير المخيط)، فيلبس الإزار والرداء ونحوهما، والنعلين، وهما كل ما يلبس على الرجلين لوقايتهما مما لا يستر الكعبين.
2. ولا يلبس القلنسوة (الطاقية بأشكالها) والعمامة ونحوهما مما يستر الرأس مباشرة، هذا للرجل.
3. وأما المرأة فلا تنزع شيئاً من لباسها المشروع إلا أنّها لا تشد على وجهها النقاب والبرقع أو اللثام أو المنديل ولا تلبس القفازين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوباً مَسَّه وَرْسٌ ولا زعفران، ولا الخفين، إلا أن لا يجد نعلين  فيلبس الخفين). وقال: (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين).
4. وله أنْ يلبس الإحرام قبل الميقات ولو في بيته كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وفي هذا تيسير على الذين يحجون بالطائرة، ولا يمكنهم لبس الإحرام عند الميقات، فيجوز لهم أنْ يصعدوا الطائرة في لباس الإحرام، ولكنّهم لا يحرمون إلا قبل الميقات بيسير حتى لا يفوتهم الميقات وهم غير محرمين.
5. وأنْ يدّهن ويتطيب في بدنه بأي طيب شاء له رائحة ولا لون له، إلا النساء. فطيبهن ما له لون ولا رائحة له، وهذا كله قبل أنْ ينوي الإحرام عند الميقات، وأما بعده فحرام.
6. فإذا جاء ميقاته وجب عليه أنْ يحرم، ولا يكون ذلك بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته، فإنّ القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بُد من قول أو عمل يصير به محرماً، فإذا لبى قاصداً للإحرام انعقد إحرامه اتفاقاً.
7. ولا يقول بلسانه شيئاً بين يدي التلبية مثل قولهم: اللهم إنّي أريد الحج أو العمرة فيسره لي وتقبله مني، لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مثل التلفظ بالنية في الطهارة والصلاة والصيام، فكل ذلك من محدثات الأمور، ومن المعلوم قوله صلى الله عليه وسلم: (فإنّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).
8. والمواقيت خمسة: ذوالحُلَيفة، والجُحْفة وقَرْن المنازل، ويَلَمْلَمُ، وذاتِ عرْق، هن لأهلن، ولمن مَرّ عليهن من غير أهلهن، ممن يريد الحج أو العمرة، ومن كان منزله دونهن فَمَهِلَّه من منزله، حتى أهل مكة يُهِلون من مكة.
9. فإذا أراد الإحرام، فإنْ كان قارناً قد ساق الهدي قال: لبيك اللهم بحجة وعمرة، وإنْ لم يسق الهدي وهو الأفضل لبى بالعمرة وحدها، فقال: لبيك اللهم بعمرة. فإنْ كان لبى بالحج وحده فسخه وجعله عمرة، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وقوله: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه). وقوله: (يا آل محمد من حج منكم فليهل بعمرة في حجة). وهذا هو التمتع بالعمرة إلى الحج.
10. وإنْ أحبّ قرن مع تلبيته الاشتراط على ربه تعالى خوفاً من العارض، من مرض أو خوف (إن كان يتوقعهما)، فيقول كما جاء في تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم مِحِلّي حيث حبستني). فإنّه إنْ فعل ذلك فحُبس أو مرض جاز له التحلل من حجة أو عمرته، وليس عليه دم وحج من قابل، إلا إذا كانت حجة الإسلام، فلا بُد من قضائها.
11. وليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إنْ أدركته الصلاة قبل إحرامه، فصلى ثم أحرم عقب صلاته كان له أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أحرم بعد صلاة الظهر.
12. من كان ميقاته ذا الحليفة استحب له أنْ يصلي فيها، لا لخصوص الإحرام، وإنّما لخصوص المكان وبركته، فقد روى البخاري عن عمر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: (أتاني الليلة آتِ من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك).
13. ثم يستقبل القبلة قائماً ثم يلبي بالعمرة أو الحج والعمرة كما تقدم، ويقول: اللهم هذه حجة لا رياء ولا سمعة.
14. ويلبي بتلبية النبي صلى الله عليه وسلم: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) وكان لا يزيد عليها. وكان من تلبيته صلى الله عليه وسلم: (لبيك إله الحق).
15. والتزام تلبيته صلى الله عليه وسلم أفضل، وإنْ كانت الزيادة عليها جائزة لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم الناس الذين كانوا يزيدون على تلبيته قولهم: (لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواضل). وكان ابن عمر يزيد فيها: (لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباءُ إليك والعمل).
16. ويؤمر الملبي بأنْ يرفع صوته بالتلبية، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فأمرني أنْ آمر أصحابي ومن معي أنْ يرفعوا أصواتهم بالتلبية). وقوله: (أفضل الحج العَجُّ والثَج). ولذلك كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حجته يصرخون بها صراخاً.
17. والنساء في التلبية كالرجال لعموم الحديثين السابقين فيرفعن أصواتهن ما لم يُخْش الفتنة، ولأنّ عائشة كانت ترفع صوتها حتى يسمعها الرجال، فقال أبوعطية: (سمعت عائشة تقول: إنّي لأعلم كيف كانت تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سمعتها تلبي بعد ذلك: لبيك اللهم لبيك.إلخ). وقال القاسم بن محمد: (خرج معاوية ليلة النفر فسمع صوت تلبية فقال: من هذا؟ قيل: عائشة أم المؤمنين اعتمرت من التنعيم. فذكر ذلك لعائشة فقالت: لو سألني لأخبرته).
18. ويلتزم التلبية، لأنّها من شعائر الحج، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من مُلبّ يلبي إلا لبّى ما عن يمينه وعن شماله من شجر وحجر، حتى تنقطع الأرض من هنا وهنا يعني عن يمينه وشماله). وبخاصة كلما علا شرفاً، أو هبط وادياً، للحديث المتقدم قريباً: (كأنّي أنظر إلى موسى عليه السلام هابطاً من الثنية، له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية). وفي حديث آخر: (كأنّي أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي).
19. وله أن يخلطها بالتلبية والتهليل لقول ابن مسعود رضي الله عنه: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة، إلا أن يخلطها بتلبية أوتهليل).
20. فإذا بلغ الحرم المكي، ورأى بيوت مكة أمسك عن التلبية ليتفرغ للاشتغال بغيرها مما يأتي.

الاغتسال لدخول مكة
21.
ومن تيسر له الاغتسال قبل الدخول فليغتسل، وليدخل نهاراً أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم.
22. فإذا دخلت المسجد، فلا تنس أن تقدم رجلك اليمنى وتقول: (اللهم صلّ على محمد وسلم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك). أو (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم).
23. فإذا رأى الكعبة رفع يديه إنْ شاء، لثبوته عن ابن عباس.
24. ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم هنا دعاء خاص، فيدعو بما تيسر له، وإنْ دعا بدعاء عمر: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام فحينا ربّنا بالسلام) فحسنٌ، لثبوته عنه رضي الله عنه.

طواف القدوم
25.
ثم يبادر إلى الحجر الأسود فيستقبله استقبالاً فيكبر، والتسمية قبله صحت عن ابن عمر موقوفاً، ووهم من ذكره مرفوعاً.
26. ثم يستلمه بيده، ويقبله بفمه، ويسجد عليه أيضاً، فقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر، وابن عباس.
27. فإن لم يمكنه تقبيله استلمه بيده، ثم قبل يده.
28. فإن لم يمكنه الاستلام أشار إليه بيده.
29. ويفعل ذلك في كل طَوْفة.
30. ولا يزاحم عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: (يا عمر! إنّك رجل قوي، فلا تؤذ الضعيف، وإذا أردت استلام الحجر، فإنْ خَلا لك فاستلمه، وإلا فاستقبله وكبر).
31. ولاستلام الحجر فضل كبير لقوله صلى الله عليه وسلم: (لَيبعثن الله الحجر يوم القيامة، وله عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، ويشهد على منا استلمه بحق). وقال: (مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطّان الخطايا حطاً). وقال: (الحجر الأسود من الجنة، وكان أشد بياضاً من الثلج، حتى سودته خطايا أهل الشرك).
32. ثم يبدأ بالطواف حول الكعبة يجعلها عن يساره، فيطوف من وراء الحِجر سبعة أشواط، من الحَجَر إلى الحَجَر شوط، يضطبع فيها كلها، ويرمل في الثلاثة الأول منها، من الحجر إلى الحجر، ويمشي في سائرها.
33. ويستلم الركن اليماني بيده في كل طوفة، ولا يقبله، فإن لم يتمكن من استلامه لم تشرع الإشارة إليه بيده.
34. ويقول بينهما (الركنين): (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
35. ولا يستلم الركنين الشاميين اتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم.
36. وله أنْ يلتزم ما بين الركن والباب، فيضع صدره ووجهه وذراعيه عليه.
37. وليس للطواف ذكر خاص، فله أنْ يقرأ من القرآن أو الذكر ما شاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة، ولكنّ الله أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير). وفي رواية: (فأقلّوا فيه الكلام)
38. فإذا انتهى من الشوط السابع غطى كتفه الأيمن، وانطلق إلى مقام إبراهيم، وقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى).
39. وجعل المقام بينه وبين الكعبة، وصلى عنده ركعتين. وإنْ لم يتيسر بسبب الزحام صلى في أي بقعة من الحرم.
40. وقرأ فيهما (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
41. وينبغي أنْ لا يمر بين يدي المصلي هناك، ولا يدع أحداً يمر بين يديه، وهو يصلي، لعموم الأحاديث الناهية عن ذلك، وعدم ثبوت استثناء المسجد الحرام منها، بل مكة كلها.
42. ثم إذا فرغ من الصلاة ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصب على رأسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ماء زمزم لما شُرب له)، وقال: (إنّها مباركة وهي طعامُ طُعم، وشفاء سقم)، وقال: (خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام الطعم، وشفاء السقم).
43. ثم يرجع إلى الحجر الأسود فيكبر ويستلم على التفصيل المتقدم.

السعي بين الصفا والمروة
44.
ثم يعود أدراجه ليسعى بين الصفا والمروة، فإذا دنا من الصفا قرأ قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ). ويقول: (نبدأ بما بدأ الله به).
45. ثم يبدأ بالصفا فيرتقي عليه حتى يرى الكعبة.
46. فيستقبل الكعبة، فيوحد الله ويكبره فيقول: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثاً. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده يقول ذلك ثلاث مرات. ويدعو بين ذلك).
47. ثم ينزل ليسعى بين الصفا والمروة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسعوا، فإنّ الله كتب عليكم السعي).
48. فيمشي إلى العَلَم (الموضوع) عن اليمين واليسار، وهو المعروف بالميل الأخضر، ثم يسعى منه سعياً شديداً إلى العلم الآخر الذي بعده. وكان في عهده صلى الله عليه وسلم وادياً أبطح فيه دقاق الحصا، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يُقطَع الأبطحُ إلا شداً). ثم يمشي صاعداً حتى يأتي المروة فيرتقي عليها، ويصنع فيها ما صنع على الصفا من استقبال القبلة، والتكبير والتوحيد، والدعاء وهذا شوط.
49. ثم يعود حتى يرقى على الصفا، يمشي موضع مشيه، ويسعى موضع سعيه، وهذا شوط ثانٍ.
50. ثم يعود إلى المروة، وهكذا حتى يتم له سبعة أشواط نهاية آخرها على المروة.
51. ويجوز أنْ يطوف بينهما راكباً، والمشي اعجب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
52. وإن دعا في السعي بقوله: (رب اغفر وارحم، إنّك أنت الأعز الأكرم) فلا بأس لثبوته عن جمع من السلف.
53. فإذا انتهى من الشوط السابع على المروة قص شعر رأسه وبذلك تنتهي العمرة، وحل له ما حرم عليه قبل الإحرام، ويمكث هكذا حلالاً إلى يوم التروية.
54. ومن كان أحرم بغير عمرة الحج. ولم يكن ساق الهدي من الحل فعليه أنْ يتحلل اتباعاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم واتقاء لغضبه، كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (فدخل علي وهو غضبان فقلت: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار! قال: (أوما شعرت أنّي أمرت الناس بأمر، فإذا هم يترددون ولو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثم أحل كما حلوا)). رواه مسلم والبيهقي، وأحمد.
ففي غضبه صلى الله عليه وسلم دليل واضح على أنّ أمره كان للوجوب، لا سيما وأنّ غضبه صلى الله عليه وسلم إنّما كان لترددهم، لا من أجل امتناعهم من تنفيذ الأمر، وحاشاهم من ذلك، ولذلك حلوا جميعاً، إلا من كان معه هدي وأما من ساق الهدي فيظل في إحرامه ولا يتحلل إلا بعد الرمي يوم النحر.

الأعمال السابقة هي أعمال ِالعمرة المنفردة لمن أراد الاعتمار في غير أشهر الحج. وهي أيضاً الأعمال نفسها لمن قرن مع حجه عمرة (كالمتمتع والقارن). لكنّها تكون بالنسبة للمتمتع عمرة منفصلة عن أعمال الحج، يحل بعد الانتهاء منها منتظراً يوم التروية للإهلال بالحج. أما القارن فيعتبر طوافه للقدوم (وهو سنة) وأما سعيه فهو سعي الحج يؤديه مقدماً، لأنّ عمرة القارن داخلة في أعمال الحج لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك) وجاز له تقديم سعي الحج لأنّه أحرم به (خلاف المتمتع الذي أحرم بالعمرة فقط).
وليحذر كل من أمّ بيت الله الحرام، للحج أو العمرة أو لهما معاً، من أن يرضى لنفسه أن يكون شاة في قطيع، تسير حيث يسير، فينقاد للعوام  وينسى اتباع خير الأنام عليه الصلاة والسلام .. ومن ذلك التسابق والتزايد في تسجيل أعداد العمر التي يأتي بها الإنسان ليقول بين الناس أتيت بكذا وكذا عمرة .. وإنّ الله عز وجل لم يوجب على زائر بيته إلا عمرة واحدة .. وهذا النبي الكريم الذي أمرنا أنْ نأخذ مناسكنا عنه، والذي كان يقول: (ما تركت شيئا يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئا يبعدكم عن الله، ويقكربكم إلى النار، إلا وقد نهيتكم عنه) وهو الذي قال لمن رغب عن هديه وسنته، طمعاً في الخير واستزادة منه: (إنّما أنا أعلمكم بالله، وأخشاكم له) فقد زار صلى الله عليه وسلم مكة معتمرا أربع مرات، يمكث فيها، ولم ينقل تكراره للعمرة أبداً (وإنّ خير الهدي هدي محمد). وقد قال أهل العلم إنّ أفضل ما يتقرب به إلى الله في مكة كثرة الطواف .. فالذي يجد في نفسه النشاط والحرص فليكثر من الطواف.

أعــمال الحــــج
55.
فإذا كان يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم وأهلّ بالحج، فيفعل كما فعل عند الإحرام بالعمرة من الميقات، من الاغتسال والتطيب، ولبس الإزار والرداء والتلبية. ولا يقطعها إلا عقب رمي جمرة العقبة.
56. ويحرم من الموضع الذي هو نازل فيه، حتى أهل مكة يحرمون من مكة.
57. ثم ينطلق إلى منى فيصلي فيها الظهر، ويبيت فيها حتى يصلي سائر الصلوات الخمس قصراً دون جمع.
58. فإذا طلعت شمس يوم عرفة انطلق إلى عرفة، وهو يلبي أو يكبر، كل ذلك فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم معه في حجته، يلبي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه.
59. ثم ينزل في نَمرة، وهو مكان قريب من عرفات، وليس منها، ويظل بها إلى ما قبل الزوال.
60. فإذا زالت الشمس رحل إلى عُرَنة ونزل فيها. وهي قبيل عرفة، وفيها يخطب الإمام الناس خطبة تناسب المقام.
61. ثم يصلي بالناس الظهر والعصر قصراً وجمعاً في وقت الظهر.
62. ويؤذن لهما أذاناً واحداً وإقامتين.
63. ولا يصلي بينهما شيئاً.
64. ومن لم يتيسر له صلاتهما مع الإمام، فليصلهما كذلك وحده، أو مع من حوله من أمثاله.
65. ثم ينطلق إلى عرفة فيقف عند الصخرات أسفل جبل الرحمة، إنْ تيسر له ذلك، وإلا فعرفة كلها موقف.
66. ويقف مستقبلاً القبلة، رافعاً يديه يدعو ويلبي.
67. ويُكثر من التهليل فإنّه خير الدعاء يوم عرفة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير).
68. وإنْ زاد في التلبية أحياناً (إنّما الخير خير الآخرة) جاز.
69. والسنة للواقف في عرفة ألا يصوم هذا اليوم.
70. ولا يزال هكذا ذاكراً ملبياً داعياً بما شاء، راجياً من الله تعالى أنْ يجعله من عتقائه الذين يباهي بهم الملائكة كما في الحديث: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟). وفي حديث آخر: (إنّ الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثاً غبراً).  ولا يزال هكذا حتى تغرب الشمس.
71. فإذا غربت الشمس أفاض من عرفات إلى مزدلفة وعليه السكينة والهدوء، لا يزاحم الناس بنفسه أو دابته أو سيارته، فإذا وجد خلوة أسرع.
72. فإذا وصلها أذّن وأقام وصلى المغرب ثلاثاً، ثم أقام وصلى العشاء قصراً، وجمع بينهما. وإن فصل بينهما لحاجة لم يضره ذلك.
73. ولا يصلي بينهما ولا على إثر كل واحدة منهما شيئاً: (وثبت من فعله صلى الله عليه وسلم أنّه لم يصل وتر العشاء تلك الليلة).
74. ثم ينام حتى الفجر.
75. فإذا تبين له الفجر صلى في أول وقته بأذان وإقامة.
76. ولا بُد من صلاة الفجر في المزدلفة لجميع الحجاج إلا الضعفَةَ والنساء، يجوز لهم أنْ ينطلقوا منها بعد نصف الليل خشية حطَمَة الناس.
77. ثم يأتي المشعر الحرام (وهو جبل في المزدلفة) فيرقى عليه، ويستقبل القبلة، فيحمد الله ويكبره ويهلله ويوحده ويدعو، ولا يزال كذلك حتى يُسفر جداً (قبل الإشراق بقليل).
78. ومزدلفة كلها موقف، فحيثما وقف فيها جاز.
79. ثم ينطلق قبل طلوع الشمس إلى منى وعليه السكينة وهو يلبي.
80. فإذا أتى بطن مُحَسِّر أسرع السير إذا أمكنه، وهو من منى.
81. ثم يأخذ الطريق الوسطى التي تخرجه على الجمرة الكبرى.
82. ويلتقط الحصيات التي يريد أن يرمي بها جمرة العقبة في منى (من أي مكان تيسر له ذلك، ولا دليل على التقاطها من مزدلفة كما يفعل كثير من الناس اليوم، كما أنّ غسلها لا دليل عليه)، وهي آخر الجمرات وأقربهن إلى مكة.
83. ويستقبل الجمرة، ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه.
84. ويرميها بسبع حصيات مثل حصى الخذف، وهو أكبر من الحمصة قليلاً.
85. ويكبر مع كل حصاة.
86. ويقطع التلبية مع آخر حصاة.
87. ولا يرميها إلا بعد طلوع الشمس، ولو كان من النساء أو الضعَفَة الذين أبيح لهم الانطلاق من المزدلفة بعد نصف الليل، فهذا شيء، والرمي شيء آخر (وهو الراجح بالأدلة الصحيحة).
88. وله أنْ يرميها بعد الزوال ولو إلى الليل إذا وجد حرجاً في رميها قبل الزوال كما ثبت في الحديث: (رميت بعد ما أمسيت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا حرج).
89. فإذا انتهى من رمي الجمرة حل له كل شيء إلا النساء ولو لم ينحر أو يحلق، فيلبس ثيابه ويتطيب.
90. لكن عليه أنْ يطُوف طواف الإفاضة في اليوم نفسه، إذا أراد أنْ يستمر في تمتعه المذكور، وإلا فإنّه إذا أمسى ولم يطف عاد محرماً كما كان قبل الرمي، فعليه أنْ ينزع ثيابه ويلبس ثوبي الإحرام، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنّ هذا يوم رُخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تُحلّوا من كل ما حُرمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حُرُماً لهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة، قبل أن تطوفوا به).

الذبح والنحر
91.
ثم يأتي المنحر في منى فينحر هديه، وهذا هو السنة.
92. لكن يجوز له أنْ ينحر في أي مكان آخر من منى، وكذلك في مكة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (قد نحرت هاهنا، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر، فانحروا في رحالكم).
93. والسنة أنْ يذبح أو ينحر بيده إن تيسر له، وإلا أناب عنه غيره.
94. ويذبحها مستقبلاً بها القبلة، فيضعها على جانبها الأيسر، ويضع قدمه اليمنى على جانبها الأيمن.
95. وأما الإبل فالسنة أنْ ينحرها وهي قائمة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها، ووجهها قِبَلَ القبلة.
96. ويقول عند الذبح أو النحر: بسم الله، والله أكبر، اللّهم إن هذا منك ولك، اللهم تقبل مني.
97. ووقت الذبح أربعة أيام العيد، يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر وثلاثة أيام التشريق، لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل أيام التشريق ذبح).
98. وله أنْ يأكل من هديه، وأنْ يتزود منه إلى بلده كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
99. وعليه أنْ يُطعم منها الفقراء وذوي الحاجة، لقوله تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ).
100. ويجوز أن يشترك سبعة في البعير والبقرة.
101. فمن لم يجد هدياً فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
102. ويجوز له أنْ يصوم في أيام التشريق الثلاثة لحديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهما قالا: (لم يُرَخّصْ في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي).
103. ثم يحلق رأسه كله أو يُقصّره، والأول أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله! قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله! فلما كانت الرابعة قال: والمقصرين).
104. والسنة أنْ يبدأ الحالق بيمين المحلوق كما في حديث أنس رضي الله عنه.
105. والحلق خاص بالرجال دون النساء، وإنّما عليهن التقصير لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس على النساء حلق، إنّما على النساء التقصير) وتأخذ من نهاية ضفائرها قيد أنملة.
106. ثم يفيض من يومه إلى البيت، فيطوف به سبعاً كما تقدم في طواف القدوم إلا أنّه لا يضطبع ولا يَرْمُل.
107. ومن السنة أنْ يصلي ركعتين عند المقام، كما قال الزهري، وفعله ابن عمر، وقال: (على كل سُبعُ ركعتان).
108. ثم يَطَّوَّف ويسعى بين الصفا والمروة كما تقدم أيضاً، خلافاً للقارن والمفرد، فيكفيهما السعي الأول.
109. وبهذا الطواف يحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام حتى نساؤه.
110. ويأتي زمزم، فيشرب منها.
111. ثم يرجع إلى منى فيمكث بها أيام التشريق بلياليها.
112. ويرمي فيها الجمرات الثلاث كل يوم بعد الزوال، بسبع حصيات لكل جمرة، كما تقدم في الرمي يوم النحر.
113. ويبدأ بالجمرة الأولى، وهي الأقرب إلى مسجد الخَيف، فإذا فرغ من رميها، تقدم قليلاً عن يمينه، فيقوم مستقبلاً القبلة قياماً طويلاً ويدعو، ويرفع يديه.
114. ثم يأتي الجمرة الثانية، فيرميها كذلك، ثم يأخذ ذات الشمال، فيقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً، ويدعو، ويرفع يديه.
115. ثم يأتي الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة، فيرميها كذلك، ويجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ولا يقف عندها.
116. ثم يرمي اليوم الثاني، واليوم الثالث كذلك.
117. وإنْ انصرف بعد رميه في اليوم الثاني، ولم يبت للرمي في اليوم الثالث جاز، لقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى)، لكنّ التأخر للرمي أفضل، لأنّه السنة.
118. والسنة الترتيب بين المناسك المتقدمة: الرمي، فالذبح أو النحر، فالحلق، فطواف الإفاضة، فالسعي للمتمتع لكن إنْ قدم شيئاً منها أو أخر جاز، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا حرج، لا حرج).
119. ويجوز للمعذور في الرمي ما يأتي:
1. أنْ لا يبيت في منى لحديث ابن عمر: (استأذن العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له)
2. وأن يجمع رمي يومين في واحد، لحديث عاصم بن عدي قال: (رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما).
120. وأنْ يرمى في الليل، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الراعي يرمي بالليل، ويرعى بالنهار).
121. ويُشرع له أنْ يزور الكعبة، ويطوف بها كل ليلة من ليالي منى، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
122. ويجب على الحاج في أيام منى أنْ يُحافظ على الصلوات الخمس مع الجماعة، والأفضل أنْ يصلي في مسجد الخَيف إنُ تيسر له، لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلى في مسجد الخَيف سبعون نبياً).
123. فإذا فرغ من الرمي في اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق، فقد انتهى من مناسك الحج، فينفر إلى مكة، ويقيم فيها.
124. ويُكثر من الطواف والصلاة في أي وقت شاء من ليل أو نهار، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الركنين الأسود واليماني: (مسحهما يحط الخطايا، ومن طاف بالبيت لم يرفع قدماً، ولم يضع قدما إلا كتب الله له حسنة، وحط عنه خطيئة، وكتب له درجة، ومن أحصى أسبوعاً كان كعتق رقبة)، وقوله: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار).
125. فإذا انتهى من قضاء حوائجه، وعزم على الرحيل، فعليه أنْ يودّع البيت بالطواف، لحديث ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت).
126. وقد كانت المرأة الحائض أُمِرَتْ أنْ تنتظر حتى تطهر لتطوف الوداع ثم رخص لها أنْ تنفر، ولا تنتظر، لحديث ابن عباس أيضاً: (أنّ النبي صلى الله عليه وسلم رخص للحائض أن تصدر قبل أن تطوف، إذا كانت قد طافت طواف الإفاضة).
127. وله أنْ يحمل معه ماء زمزم ما تيسر له تبركاً به، فقد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمله معه في الأداوي والقرب، وكان يصب على المرضى ويسقيهم. بل إنه: كان يرسل وهو بالمدينة قبل أنْ تفتح مكة إلى سهيل بن عمرو: (أن أهدِ لنا من ماء زمزم ولا تترك، فيبعث إليه بمزادتين).
128. فإذا انتهى من الطواف خرج كما يخرج الناس من المساجد فلا يمشي القهقري، ويخرج مقدماً رجله اليسرى قائلاً: (اللهم صل على محمد وسلم، اللهم إني أسألك من فضلك).

نسأل الله أنْ يعين كل حاج على التزام هدي نبيه، وأنْ يتقبل الله من الجميع
والحمد لله رب العالمين