Skip to main content

وَقْـفَــةٌ مَعَ الـدُّعَـاةِ

By الجمعة 18 رمضان 1434هـ 26-7-2013ممحرم 21, 1441مقالات

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).


الدعوة إلى الله تبارك وتعالى مهمة الأنبياء والرسل .. وبعد أنْ شاء الله انقطاع الوحي عن الأرض، غاب الأنبياء والرسل، وورث مهمتهم الدعاة إلى الله، فأنعم بها وأكرم..! وأرجو أنْ نقف قليلاً مع الجملة الأخيرة، لأضع لها ضابطاً حتى لا نرى تعدداً في طيوف الدعوة إلى الله، كما اعتدنا واستمرءنا التعددية في كل شيء. وأستعين بالقياس في إيجاد الضابط فأقول: إذا قلنا: دعوة إلى الله، فإضافتها إلى الله تعطيها أقوى معاني التحديد والوضوح، فكما قال السلف: (لا يعبد الله إلا بما شرع)، فأنا أقول: (لا يُدعى إلى الله إلا بما وكما دعا نبيه). وبذلك تتوحد الدعوة في مضامينها.

وأستبق إلى أذهان من يُولعون بالجدل، فأنا لا أعني أساليب الدعوة فهي متنوعة، ولا شك، وقد توجد حالات يكون أسلوب الدعوة توقيفياً. لكن مادة الدعوة واحدة لأنّ الدين واحد..!

وما أروع فهم الصحابة لبعض معان في الدين، أضعناها من بعدهم، وليتنا وقفنا حيث وقفوا..! منها نُفورهم الشديد من التلون في الدين (دخل أبو مسعود على حذيفة فقال: اعهد إليّ، فقال له: ألم يأتك اليقين؟! قال: بلى وعزّة ربي، قال: فاعلم أنّ الضلالة حقَّ الضلالة أن تعرف ما كنت تُنكر، وأن تنكر ما كنت تعرفُ، وإياك والتلوُّن، فإنّ دين الله واحد). وفينا اليوم من يرى التلون في الدين لمصلحة الدين والمتدينين(اختلاف أمتي رحمة)، وهو كذب على النبي.


وقد أردتها مذاكرة في الآيات السابقة، علّها تنفع الدعاة على بصيرة..! في خبر نوح عليه السلام الذي أمر الله تبارك وتعالى نبيه أنْ يُبلغنا إياه، ليكون لنا إسوة وقدوة، نلحظ أسلوبه عليه السلام وطريقته في دعوة قومه. وطاعة لربنا، نتدبر القول ونستنبط القواعد الآتية:

1. قبل البدء بأي كلام من مفردات الدعوة، كان ذلك الموقف الحاسم من نوح عليه السلام في إعلام قومه أنّه يُدرك تململهم، وتحرجهم، وعدم حفاوتهم بل رفضهم موقفه القائم على الحرص على الصدع بأمر ربه، وتنفيذ ما أُرسل به من دعوتهم إلى الله والإيمان به، فمع معرفته التامة بذلك، فقد قطع آمال قومه من أي توقع لتغير في الموقف، أو التراجع، أو الدخول في المساومة وعقد الصفقات لأنّ كل ذلك لن يكون، لأنّه لا يليق بمن يُبلّغ عن الله جل جلاله. وقد عبر نوح عليه السلام عن ذلك القصد والعزم بعبارة موجزة (فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ). فإنّها عبارة لو قالها المؤمن في ميادين الدعوة لكانت تعني التعبير بقوة عن الحالة التي لا تردد فيها، ولا مراجعة، ولا تنازل، فالطريق ذو اتجاه واحد، وإلى الأمام دوماً، لأنّه الطريق إلى الله (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ).


2. بعد ذلك العرض الهاديء، والحاسم للموقف جاء وقت التحدي وإبداء القوة التي تُرافق القناعة بشرعية المُهمة. ولا ننسى أنّ ذلك الموقف من نوح عليه السلام اقتضاه بل حتّمه سيرة قومه معه، وطول الأمد في التعامل معهم، وهو ما ذكره القرآن حكاية عنه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا).

لم يكن إذن بد من التحدي، وكيف كان؟ (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ).

استعراض الواثق من أنّه على الحق، وهل يضعف صاحب الحق أو يتخاذل، أو يُساوم..؟ أعطى خصومه فرصة التكتل ضده، وطالبهم أنْ يستنصروا بكل من يجدون عنده نصرة، ثم أنْ يكونوا على بينة من أمرهم في الموقف الذي يتخذونه ضده، وألا يكون عَجِلاً، مُرتاباً، ضبابياً، لأنّهم سيتحملون في النهاية تبعة عظيمة .. ثم طلب إليهم بعد الاستعداد الذي أرشدهم إليه، زيادة في إظهار الثبات والثقة، أنْ يفعلوا معه ما يشاؤون، وأن لا يُؤخروا ما يُبيتون .. أوليس ذلك الأسلوب الذي تحرك به نوح عليه السلام يعلم الدعاة اليوم الثقة بعلوية المهمة، والصلابة، والجدّية في العرض، وعدم جعل التخوف من النتيجة عبئاً على المنهج والحركة..؟ فالنتائج بلا شك محسومة لصالح الحق في النهاية، ما دامت المقدمات صحيحة .. وهل المقدمات إلا منهجاً مؤصلاً، ونية صادقة..؟ ويجب أنْ لا يغيب عن بالنا أبداً أنّ النتائج بيد الله وحده.


3. أما آخر الخطاب من نوح عليه السلام فهو: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ). إنّه استباق إلى أذهانهم في أنّه لا يُستبعد منهم الإعراض والتولي، حتى يُفقدهم عنصر المفاجأة الذي يظنون أنّه سيفقد نوحاً توازنه، وتذهب نفسه حسرات عليهم حينما يُفاجئونه بقولة لا لكل ما يقول .. وهنا يقتضي المقام أنْ يُؤكد انتفاء أي مصلحة أرضية من وراء حرصه عليهم، وسعيه لهدايتهم، إنْ كانوا يظنون أنّ في استجابتهم له نفعاً دنيوياً يناله، وفي إعراضهم منعاً لمصلحة كان يرجوها، ويؤكد لهم أنّ الله هو مولاه، وهو الذي أرسله بهذه المهمة العظيمة، وهو الذي يتولاه، ومنه وحده يستمد العون، ومنه وحده يبتغي الأجر .. والدائرة في النهاية على مَن خسروا أنفسهم، فلم يستجيبوا لداعي الله في أنْ يكونوا من المسلمين. أما ذاك الشرف العظيم، وهو الإسلام، فيناله نوح يوم كان داعياً صادقاً إلى الله بإذنه .. وهو موعود الله لكل من يختار أنْ يُشرّف نفسه بتحقيق مهمة عظيمة، على هذه الأرض، وهي الدعوة إلى الله (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).

ونستنبط من فعل نوح عليه السلام أنّه لا ينبغي للداعية أنْ يزجّ نفسه في النتائج، وليبق خارج دائرة الإنفعال مع النجاح أو الفشل، مع القبول أو الإعراض، لأنّ المسألة بينه وبين المدعوين ليست شخصية.

وليس للإنسان المسلم موقع أعز أو أنفع أو أبرأ للذمة، وأرضى لله من أن يكون في ركب الدعاة إلى الله، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .. أقولها لأهل الدين الذين يبحثون اليوم لأنفسم عن مواقع في (بازارات) السياسة وصالاتها ومجالسها، بدعوى أنّهم يُريدون أنْ يُقدّموا شيئاً للإسلام والمسلمين من خلال التفاعلات السياسية الجارية على الأرض العربية..! وأُضيف ناصحاً أميناً، لن يجد المؤمن اليوم نفسه، ودوره، وواجبه تجاه ربه وأمته إلا في ميادين الدعوة إلى الله. فالأمة بحاجة إلى نفخ الروح فيها من جديد، بردّها إلى الوحيين بعد أنْ شردت عنهما بعيداً وطويلاً..! ولنْ يكون إحياء الأمة من جديد عن طريق السياسة وتنظيم الأحزاب، وعقد التحالفات، وحضور المؤتمرات، ودخول البرلمانات إنّما هو طريق واحد الدعوة إلى الله على بصيرة، والتربية والتصفية .. فالتحديات الكبرى في وجه المسلمين على كل الأصعدة تتصدى لها الأمة بعد إحيائها، مؤيدة بنصر الله .. ولا يُغني، والأمة في حال الاحتضار، خروج المنخنقة والمتردية والنطيحة والموقوذة، عنها في وجه التحديات.


وأُحب، بعد درس نوح عليه السلام، أنْ أُهدي إلى الإخوة الدعاة ملمحاً تضمنه قوله تعالى: (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).

أقول وبالله التوفيق: إنّ الداعية إلى الله يُواجه من حيث الخطوط العريضة شريحتين من المدعوين. جُهالاً لا يعلمون شيئاً، وعالمين علماً مدخولاً غير صحيح … أما الجُهال فالتعامل معهم هو الأسهل لأنّ الجاهل لا يُباهي بجهله إلى حد أنْ يُنافس به علم العالم، إنّما يعترف بجهله إنْ كان سوياً. وأسوأ ما يُمكن للجاهل فعله أنْ يرفض العِلم..! أما الشريحة الثانية وهي الأصعب، والتي استفرغتْ جُهد الأنبياء من قبل، والتي تحدثتْ عنها الآية السابقة. إنّهم علموا، ولكنْ أهواءهم، وما وجدوا عليه آباءهم، وتمسكهم بالموروث جعلهم يُحرفون ويُبدلون ويؤولون ليُواطيء العلم أهواءهم، ورفضهم التغيير. ويتزايد وجود هذا النوع من الناس حين يسود فيهم فِكر الفِرق المنحرفة الناكبة عن منهج (ما أنا عليه وأصحابي)، فتجد ردود فعلهم لأي عمل دعوي الجدال والمماحكة للدفاع عن المواقف المشبوهة والمواقع المنحازة.


أختم بثلاث وصايا للإخوة الدعاة .. وفاتني أنْ أقول في البداية: ليس للدعاة زيٌ خاص، ولا مُؤهل مُحدد، ولا رُخْصَة مزاولة .. إنّ الدعوة إلى الله واجبٌ على كل مسلم هو محلٌ للتكليف، مع قيد أساسي: أنْ يدعو على قدر حاله ومعرفته لئلا يَهرف بما لا يعرف .. وهذا التكليف ليس مني، بل من النبي عليه السلام في قوله: (بلغوا عني ولو آية) … وأعود إلى الوصايا:

1. الصلابة في الموقف، مع الرفق والدعوة بالتي هي أحسن، ولا يتنافيان.

2. عدم الوقوف طويلاً مع المجادل والمماحك، بل قُل كلمتك وامض.

3. أنْ تقتنع بتحقيق أمرين من دعوتك: إبراء الذمة، وإقامة الحجة، وما أنت عليهم بجبار، فلا تحمل نفسك ما وراء ذلك … والله يتولى المخلصين