Skip to main content

وَالْعَصْرِ

By السبت 18 جمادى الأولى 1437هـ 27-2-2016ممحرم 21, 1441مقالات

يقول تبارك وتعالى: (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

هي أقصر سورة في كتاب الله، وعلى لسان الكبير والصغير من المسلمين، لِيُسْرِ حفظها .. ولكن هل علموا عظيم مكنونها..؟ لقد جاء في كثير من كتب التفسير عنِ الشَّافِعِيِّ قوله: (لَوْ تَدَبَّرَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَوَسِعَتْهُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لَوْ لَمْ يَنْزِلْ إِلَى النَّاسِ إِلَّا هِيَ لَكَفَتْهُمْ).

وذكر الشيخ الألباني رحمه الله في سلسلة الأحاديث الصحيحة، مصححاً، ما عند الطبراني: (كَانَ الرَّجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ إِذَا الْتَقَيَا لَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا عَلَى أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ سُورَةَ الْعَصْرِ إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ يُسَلِّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ).

وقال الألباني رحمه الله معلقاً على الحديث: (وفي هذا الحديث فائدتان مما جرى عليه عمل سلفنا رضي الله عنهم جميعا. إحداهما: التسليم عند الافتراق، وقد جاء النص بذلك صريحا من قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، وإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة).

والأخرى: نستفيدها من التزام الصحابة لها؛ وهي قراءة سورة (العصر) لأننا نعتقد أنهم أبعد الناس عن أن يحدثوا في الدين عبادة يتقربون بها إلى الله، إلا أن يكون ذلك بتوقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو تقريرا، ولِمْ لا وقد أثنى الله تبارك وتعالى عليهم أحسن الثناء، فقال: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم). وقال ابن مسعود والحسن البصري: (من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا، قوما اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم)).

فبعد أن أقسم الله بالعصر، وهو الزمن، وهذا هو أجمع معنى للفظة العصر. وقد ذكر لها المفسرون معانيَ عدة، اخترنا منها المذكور. ومن المناسب أن نُّذكر بقاعدة توحيدية ضرورية، لأنّ الناس ما أكثر ما يخالفونها في أحاديثهم اليومية، وهي أنّ الحلف بغير الله حرام، وآثمٌ فاعلُه، لقوله عليه السلام: (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت). وَعَنْهُ أنه صلى الله عليه وسلم قال:(إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ ليصمت). ولكن الله تبارك وتعالى، خالق كل شيء، يُقسم بما شاء من مخلوقاته، وهو جل جلاله صادقٌ أقسم أم لم يقسم. لكنّ الله يُقسم ليلفت أنظار البشر إلى عجيب وعظيم صنعه في مخلوقاته وهي المُقْسَم بها، وفي الوقت نفسه، يلفتهم إلى أنّ المُقْسَم عليه الآتي عظيم أيضاً، ويجب أن يبقوا منه على ذكر، وحذر، ووجل..!

أجل، بعد هذا القسم العظيم يبين الله لعباده حقيقةً تَنْخَلِع القلوب لهولها، ولا زال الناس عنها في غفلة (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ). و(أل) التعريف في كلمة الإنسان هي أل الاستغراق، وتعني استغراق الحكم المذكور، وهو الخسران لجنس بني آدم كله، إلا ما استثني في تتمة السورة. وأي خسران..؟ إنّه الخسران الأخروي الأبدي، الذي قال عنه رب العباد تبارك وتعالى: (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى). ما عساه يقول بشرٌ، محذراً، من هذا المصير المحتوم المشؤوم، بعد كلام الله، إلا أن يقول (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)..؟

ومن هم الذين استثناهم ربنا جل وعلا من هذا الخسران المبين؟

طائفة واحدة، لها صفات محددة لم يترك للعقل البشري تحديدها، إنما هي للطيف الخبير، تقدست أسماؤه (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). فلنستعرضها:

أ.
(
الَّذِينَ آمَنُوا) وليس المقام هنا أن نذكر بأركان الإسلام، وأركان الإيمان، فهذا من الفروض أن يعرفه كل مسلم. لكنّ الأمر هنا أخص وأخطر. فقد يُظْهر بعض المسلمين إيماناً، يظن نفسه به على خير، وهو ليس كذلك، لأنه قد شاب إيمانه ما يُعكره أو يُفسده.. وقال ربنا: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ).

يقول ابن عاشور في التحرير والتنوير: (وَحَقِيقَةُ يَلْبِسُوا يَخْلِطُوا، وَالظُّلْمُ: الِاعْتِدَاءُ عَلَى حَقِّ صَاحِبِ حَقٍّ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا إِشْرَاكُ غَيْرِ اللَّهِ مَعَ اللَّهِ فِي اعْتِقَادِ الْإِلَهِيَّةِ وَفِي الْعِبَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ)لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الِاعْتِدَاءِ، إِذْ هُوَ اعْتِدَاءٌ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ الْمُطْلَقِ الْعَظِيمِ، لِأَنَّ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُفْرَدَ بِالْعِبَادَةِ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا وَقَوْلًا لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ عَلَى مَخْلُوقَاتِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ الشِّرْكَ جَمَعَ بَيْنَ الِاعْتِرَافِ لِلَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالِاعْتِرَافِ لِغَيْرِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ أَيْضًا. وَلَمَّا كَانَ الِاعْتِرَافُ لِغَيْرِهِ ظُلْمًا كَانَ إِيمَانُهُمْ بِاللَّهِ مَخْلُوطًا بِظُلْمٍ وَهُوَ إِيمَانُهُمْ بِغَيْرِالله).

ولما كانت الآية الخطيرة التي تحدثت عن اختلاط الإيمان بما يفسده أو يبطله، تحكي واقع المسلمين اليوم، يوم تعددت الفرق التي تدعي الإسلام، والإيمان عندهم قد اختلط بشوائب لم تكن عند القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسبِقُ شَهَادَة أحدِهمْ يَمِينه وَيَمِينه شَهَادَته)، والتي أرادها الله نموذجا يُحتذى من كل مسلم إلى قيام الساعة ليُزحزح عن النار ويُدخل الجنة. وجاءت الآية الكريمة لتؤكد إمامة أولئك في الدين، وأنّ من لم يقتد بهم فليس على شيء، ولن ينال خيرا..! (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

ونبينا عليه السلام الذي ما مات حتى دلنا على كل خير، وحذرنا من كل شر، يحذرنا من شر الافتراق في الدين، كما افترق اليهود والنصارى، ويدلنا على طريق النجاة ووسائلها. بل يأمرنا أن نتقي النار بلزوم منهج (ما أنا عليه وأصحابي). (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة). وفي رواية: (ما أنا عليه وأصحابي) فأبى أكثر المسلمين إلا التفرق، باتخاذهم رؤوسا جهالاً، واتباعهم السبل التي تبعدهم عن سبيل الله، وعلى رأس كل سبيل شيطان يدعو إليه. يقول ربنا (وَأَنَّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وتأكيد الرسول عليه السلام لهذا التحذير القرآني بتمثيل حسي، وبيان قوي، لتقوم الحجة عل العباد. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: (خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا ثُمَّ قَالَ: (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ) ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَقَالَ: (هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ. ثمَّ قَرَأَ (إِن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ)).

وبالنتيجة، كيف نضمن لأنفسنا، بعد توفيق الله، إيماناً يبعدنا عن الخسران؟ إنّه التزام منهج (ما أنا عليه وأصحابي)، وهم الغرباء اليوم فطوبى للغرباء.

ب.
(عمِلُوا الصَّالِحَاتِ) والعمل لا يقبله الله، ولا يرضاه إلا أن يكون صالحاً مرضياً (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ)، وقد جاءت الآية الأخرى لتحدد الشروط التي يجب أن تتوفر في العمل الصالح لكي يكون مقبولاً مرضياً: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّه وَهُوَ مُحْسِنٌ).

وعن الفضيل بن عياض أنّه لما سئل عن قول الله (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) قال: (أحسن العمل: أخلصه وأصوبه، قيل له: ما أخلصه وما أصوبه؟ فقال: إن الله لا يقبل العمل ما لم يكن خالصا صوابا، فإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وخلوصه: أن يكون لله، وصوابه: أن يكون على السنة).

فاحفظ أيها المسلم أنّ العمل لا يُقبل عند الله إلا بشرطين: الإخلاص (لوجه الله)، والإحسان
(وفق هدي محمد)،
ويُضرب العمل في وجه صاحبه بفوات الشرطين أو أحدهما.

ج.
(
وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)

ولكي يسود الالتزام الصحيح، عن طريق العمل الصالح المقبول في المجتمع، لا بد أن يقوم في الأفراد أمران: المذاكرة والمصابرة. ونقصد بالمذاكرة أن يُذكّر الناس بعضهم بعضاً بما أمر الله ورسوله، وهو التواصي بالحق، وأما المصابرة فهي أن يناصح الناس بعضهم بعضا بالصبر والتحمل لما يقتضيه الالتزام من مجاهدة النفس في ذات الله، وتحمّل أذية بعض المرجفين على الطريق، ولا سيما في زمن الغربة. ولعل هذا البند الأخير يجسده إحياءُ شعيرةِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد عدَّها بعض العلماء الركن السادس في الإسلام.

بعد هذا الذي قيل، أيها المسلم.. أيتها المسلمة .. أتعجزون أن تُعيدوا سيرة أصحاب نبيكم عليهم رضوان الله، وتُقدموا لغَدِكم، فتجعلوا تحية الوداع فيما بينكم سورة العصر..؟