Skip to main content

التَّمَيُّزُ

By الأثنين 27 ذو القعدة 1435هـ 22-9-2014ممحرم 21, 1441مقالات

إنّه الوصف الذي ينبغي على كل مسلم أنْ يتحلى به .. وهو الخِصِّيصَة التي ضيَّعها أكثر المسلمين، ولما يجدوها بعد..! وهو الفقد الكبير الذي فقد المسلمون بفقده هويتهم التي ملؤها العزة، وهي سبيلهم إلى التمكين .. إنّ الله تبارك وتعالى أراد للمسلمين أنْ يعيشوا دوماً في المقدمة، وتكون لهم في العالم الريادة والقيادة والسيادة، ما داموا يحملون الرسالة الخالدة، الخاتمة لأهل الأرض، لكنّهم أخلدوا إلى الأرض فعاشوا عالة على الآخرين..!

ولإيضاح أكثر: فإنّ التميّز حالة من الالتزام الجاد، والتطبيق الدقيق لأحكام الإسلام مهما كانت الظروف، وهو الحالة المقابلة لما عليه أكثر المسلمين في نصف القرن الماضي، من تحول التدين إلى ما هو أقرب إلى العوائد، فلا يُلمس فيه نبض الحياة المفروض وضوحه في نصوص الوحيين وتطبيقاتها، ويفقد فاعليته على التغيير، فالظاهر تدين والواقع انحراف .. وبذلك تكاثرت المشكلات في حياة المسلمين وقاد هذا الواقع إلى أمر خطير، وهو اتهام الإسلام والتشكيك في صلاحيته .. وكانت تلك النتيجة هدية كبيرة قدمها أبناؤه، وأهله، لتركهم التميز، إلى أعداء الإسلام والمتربصين به في الداخل والخارج.

والتميز عودة إلى ما كان عليه سلف الأمة في جدية التعاطي مع الدين فهماً وتطبيقاً.

وللتميز أنواع، هذه بعضها:

الأولى: تميزٌ بين الخلق كلهم، وهو في معناه وممارسته أبعد ما يكون عن أي تميز عرفه البشر مما يقوم على أسس التفاضل العرقي أو الطبقي أو المادي أو اللوني .. إنّه تميز بما يحمله المسلم، دون سائر الخلق من عقيدة ترتبط في كل شأن فيها بأمر السماء ولا تشوبها من عقول أهل الأرض شائبة .. وتتجلى للناس من حول الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة خُلقاً يمشي به في الناس عملاً بأمر النبي عليه السلام (وخالق الناس بخلق حسن). كما تتجلى عفة واستقامة وبُعداً عن كل ما هو شائن خائن غير لائق، ولو كان الناس يتهافتون عليه وينجفلون إليه، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيئها).

وليس تميز المسلم بين الخلق تميز تكبر وتعال وازدراء، إنّما هو استقطاب الأنظار والأنفس إليه لهذا الذي عنده، حين تتحكم الأطماع والأهواء والنزوات البشرية غير الإنسانية .. فهو رفيق بالناس، يحمل إليهم دعوة الحق، ويستشعر كل لحظة أنّ الله سائله حفظ أم ضيع، فما يلبث ذلك المُتَمَيِّز أن يتحول إلى نموذج ومثال، فهو دعوة إلى الله صامتة.


الثانية: تميزٌ بين المسلمين، فالمتميز مرآة للآخرين يرون أنفسهم فيه، ويعرفون تقصيرهم، ويدركون بعدهم عن المنهج الحق .. لأنّه على المنهج الحق وعلى المحجة البيضاء، اعتقاداً والتزاماً وتطبيقاً. وهو فيهم آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر. مرشد ومعلم ومذكر وناصح، يستعين على كل ذلك، بعد توفيق الله، بالرفق والحكمة والموعظة الحسنة. يحرص أنْ يسبق فعلُه إلى الناس قولَه، ليكون القدوة بحق كما قال عليه السلام: (واستقيموا يُسْتَقَم بكم)، وبخاصة في زمن كثر فيه التفلت والبعد عن الدين، بدعوى تناقض الدين مع الواقع، ويجد هذا الانحراف في دعاة العصرنة من يفلسفه.

والتميز والمتميزون من المسلمين، يثبتون واقعية الدين وملائمته لكل حال، إذا استبعد الهوى الفتان، وكان الدين لله.


الثالثة: تميّز في الأداء المهني أو الوظيفي أو الخدمي، يلفت الانتباه من كل أحد لمعرفة سبب وسر الأداء المتميز .. إنّ سبب ذلك التميز تعاليم الإسلام القويمة، والالتزام الصحيح والتطبيق الجاد وكل ذلك نختصره بالتميز .. يقول النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه: (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه) فالمسلمون بأمس الحاجة إلى أنْ يكون فيهم الطبيب والمحامي والمدرس والمهندس والصيدلي والنجار والبقال والكهربائي .. وعدد ما شئت من المهن والآعمال والخدمات، وأنْ يكون كل أولئك متفوقين فنياً، ومتميزين إسلامياً.

وبعد أليس ذلك الواقع المقدمة الكبرى لنكون خير أمة؟ وما أروعها نتيجة أن يعرف كل أحد أنّ الأداء المتيز من ورائه التدين المتميز!.

كما أنّ الإسلام يُريد من كل مسلم أنْ يضع نفسه فوراً مكان الطرف المقابل في أي علاقة مصلحية، فيؤدي للآخرين كما يحب أنْ يؤدوا له، ولنقرأ قول نبينا الكريم عليه السلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه). وهل انتبهنا يا ترى إلى أنّ ذلك الخُلق التعاملي قد ربطه النبي عليه السلام بالإيمان وجوداً وعدماً .. وهذا هو الطريق إلى التميز..!


الرابعة:
تميّز في أنْ يحمل المسلم بين جنبيه همّ الإسلام والمسلمين، فيكون فاعلاً ومتفاعلاً مع كل قضايا المسلمين ومشكلاتهم، ليس بالأسلوب الغوغائي الذي هو أقرب إلى هيشات الأسواق التي حذر منها النبي عليه السلام بقوله: (إياكم وهيشات الأسواق)، ولا بتقديم العواطف، والسير في هوى عوام الناس، إنّما بالمنهجية والتأصيل الشرعي ومرجعية (الأكابر) من أهل العلم، وأهل النظر، وأصحاب الخبرات عملا بالتوجيه النبوي: (البركة مع أكابركم)، وقد جاء شرح كلمة الأكابر في كتاب (فيض القدير) أنّهم: (العلماء والأولياء وإن صغر سنهم والمجربين للأمور).

وليس التميز تكرار ما تكتب الصحف، وما يلقى في وسائل الإعلام على طريقة إسلام الصالونات، والأكثر كلاماً وسرداً للأخبار هو المتميز ثم ينفض المجلس عن فقاقيع طارت في الهواء. إنّما التميز حمل همّ الإسلام، ولا يخفى مدلول كلمة (هم)، وكم يستتبع بعد ذلك من جهود في البحث والاستدلال وتأصيل المواقف .. وما أروعها من وصية من واحد من أكابر المسلمين، وهو مالك بن دينار إلى كل من يريد التميز: (إن صدور المؤمنين تغلي بأعمال البر، وإن صدور الفجار تغلي بأعمال الفجور، والله تعالى يرى همومكم فانظروا ما همومكم رحمكم الله).

وقد يتساءل بعض الإخوة عن العلاقة بين المنهج والتميز. وهو تساؤل في محله. والجواب أن لا تميز بلا منهج، لأنّ غياب المنهج تدينٌ بإسلام الفِرق .. وهل يكون تميز بإسلام لا يقبله الله تبارك وتعالى؟ وإذا ذكرنا المنهج فلا بُد في كل مرة أنْ نؤكد، دون ملل، أنّ المنهج واحد ما دامت الفرقة الناجية واحدة .. وأنّه (ما أنا عليه وأصحابي) وهو اختيار النبي عليه السلام لمن يريد النجاة من أمته زمن الافتراق، ولا نجاة بغيره.

كذلك يمكن إضافة أنّه لا منهج أيضاً بلا تميز .. فالذي لا يملك القدرة على التفريق بين الغث والسمين، والمردود والمقبول، من المسلمين، وبالتالي لا يميز الفرق الكبير بين إسلام (ما أنا عليه وأصحابي) وما عليه باقي الفرق والطوائف، ويستوي عنده ناجٍ وهالكٌ، فأنّى له المنهج وأنى له التميز؟


مرة أخرى … فالتميز فهم للنصوص، واستنباط لمآلاتها، وتطبيق لها ليحقق الدين غايته في أهل الآرض .. إنّ التميز لا يتحقق إلا بمراجعة حساب مستمرة مع النفس والواقع على ضوء نصوص الوحيين، ثم تبدأ معالجة الخلل، واستراك النقص وتصحيح المسار، إنْ لزم. وأضرب المثال بالتوجيه النبوي (إذا سرتك حسنتك، وساءتك سيئتك فأنت مؤمن). فماذا لو عمل به الناس، كم تحلو الحياة، ويُعَزُّ الدين..؟ فأين التميز والمتميزون…؟