Skip to main content

أَخِي لَا تَـتَـعـَـــثـَّر

By الأحد 21 شوال 1435هـ 17-8-2014ممحرم 21, 1441مقالات

عن تجربة طويلة غنية، ومعاناة كبيرة على طريق الدعوة إلى الله، أصْدُرُ .. ولا أُريد بهذا أنْ أقدم نفسي للقاريء، إنّما أنْ أطلب منه، وبرجاء ألا يستهين بما يقرأ، لا تقديراً لمن كتب، ولكن حرصاً على نفسه أنْ لا يُفوِّت فرصة تنفعه، وقد لا يجد غيرها لو ضيعها..!

لطالما لقيت أناساً أظهروا الاقتناع بما يطرح عليهم من الحق، ولكن تمضي عليهم الشهور بل السنون ولا يتغيرون .. فهم إذاً متعثرون لا معترضون..! نعم عرفوا الحق، وأظهروا حماساً له، فلمَ التعثر؟ عندي لذلك أسباب ثلاثة: الحيرة والغربة والكثرة. وكل هذه الثلاثة بينها من القواسم المشتركة ما يجعلها سببا للتعثر والتردد والتأخر على طريق الله .. ولعل الله ينفع بتجليتها، والعمر مهما طال قصير.


السبب الأول: الحيرة…

والحيرة سببها عدم الوصول إلى القناعة التامة أنّ الطريق إلى الله واحدة لا تتعدد، ولا تحتاج هذه الحقيقة الأزلية إلى كبير عناء وكثير كلام لإثباتها، ويكفي أنْ نقرأ قول الله تبارك وتعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). فكلمة (صِرَاطِي) ووصفها (مُسْتَقِيمًا) بصيغة الإفراد لا تدل إلا على الوحدانية .. ولو أنّها بالأصل متعددة، لما كان للنهي (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) محل ولا معنى في الآية. لكن كثرة سماع الطرح المخالف، مثل (عدد الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق)، وعدم سماع الأصوات المستنكرة والمصححة يعتبر عوامل مثبطة .. كذلك فإنّ رؤية الممارسات الواقعية المخالفة، وتعدد مسميات الفرق والجماعات الإسلامية على الساحة، وانحياز أكثر المشائخ والدعاة، وهم أصلا ًمن مكونات هذا الخليط، للدفاع عن شرعية هذا الواقع، واعتباره (اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد)، وهي عبارة تبريرية لواقع شديد المخالفة للدين الحق، لكنّها تصدر عن راضين به أو عاجزين عن تغييره .. ذلك كله يُدخل حيرة في بعض النفوس .. فجماعة المسلمين واحدة لا تقبل التعددية، وكذلك إمامهم، إنْ وجد. واقرؤوا قول النبي عليه السلام لحذيفة رضي الله عنه: (إلزم جماعة المسلمين وإمامهم) ولم يقل جماعاتهم وأئمتهم .. كذلك لما سئل عليه السلام عن الفرقة الناجية قال: (هي الجماعة).


وفي السياق نفسه، فإنّ المنهج الحق في دين الإسلام الذي لا ثاني له ولا رابع ولا عاشر ولا..ولا.. هو منهج (ما أنا عليه وأصحابي) ليس غير، وأنّ المغامرة التي لا رجوع عنها، ولا توبة منها، أنْ يَقْدِم العبد على ربه حين ترفع الأقلام وتجف الصحف بغيره .. لأنّه طوق النجاة الذي وضعه نبي الأمة صلى الله عليه وسلم بيد كل فرد من أمته ليصل إلى ربه سالماً من القول على الله بغير علم، وعبادته بما لم يشرع .. فمن ذا الذي يضمن السلامة والنجاة بغير ذلك، من أهل الأرض..؟

والذي لا يزال في مرية من ذلك، وحتى لا يتعثر على طريق الله، فليحرر نفسه من كل كلام مصدره الهوى، وغايته التشويه والتشويش والتلبيس، ولْيُعِد مراتٍ ومراتٍ، قراءة حديثَ افتراق الأمة، قراءة مستبصرة غير منحازة، ولينتفع بهدي المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، مستحضراً قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ).


وهل يخطر ببال مسلم أنْ يتركنا الله ورسوله على ما تحار فيه العقول، وتختلف حوله الأنظار، وتتنازع من أجله الأنفس..؟ ويكون هذا دين الله..! محال وألف محال..! إنّ الأصل في المسلمين أنْ يكونوا إلى أنْ تقوم الساعة (على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) كما يقول نبينا، فهل نحن لذلك واعون، وبه عاملون..؟


السبب الثاني: الغربة…

وغربة المؤمنين شديدة الشبه بالكهف الذي أُمِر بعض الصالحين أنْ يأووا إليه اعتزالاً لبني جلدتهم الضالين، واتقاء لبطشهم بهم (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا)، لكنّ الغرباء من المسلمين أمروا بعدم مخالطة أهل الباطل والضلال في ما هم فيه، لكن يبقون بين ظهرانيهم يبثون الحق والخير والدين الحق، ويمارسون دورهم في الإصلاح .. وهنالك بعض المسلمين، مع قربهم من الدين الحق في مناح عديدة لا يزالون متعثرين فلا يبلغون الغاية في التزام منهج (ما أنا عليه وأصحابي) لأنّهم يتهيبون الدخول في كهف غربتهم المعنوي ليجتنبوا اتهامات باطلة من أنّهم انعزاليون، وفاشلون اجتماعياً، ومعقدون، وغير حضاريين .. وقد يصل الاتهام إلى (إرهابيين)..!

ولا شك أنّ الغربة في مراحلها الأولى، وقبل أنْ يعتادها الإنسان، ويأنس بها، ويوطد عليها نفسه على أنّها الحق، وقدر كل من يريد الله ورسوله والدار الآخرة، متعبة مربكة .. ثم ما يلبث المؤمن أنْ يتذوق لذة غربة الحق وأهله، فتصبح عنده الواحة التي يجد فيها نفسه ودينه وأخلاقه وأهله وإخوانه الغرباء معه .. وتغدو عنده الصورة المشرقة للحياة في ظل طاعة الله، ودينه الحق.

إذاً لا يُمكن ولا يجوز أنْ تكون غربة الإسلام وغربة الحق وغربة المؤمنين مقلقة مربكة محزنة، لأنّ فيها من الله كل عوض عن كل ما يخسره المؤمن من أجلها من سعادة أرضية طينية .. ويأبى الله إلا أنْ يري المؤمن الغريب نفسه في علياء طاعة الله والاستقامة على شرعه الحق، كلما نظر في أحوال الناس المخلدين إلى الأرض من حوله. وخير من جلى هذه الصورة ابن القيم رحمه الله إذ يقول:

(فهو غريب في دينه لفساد أديانهم، غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع ، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم، غريب في نسبته لمخالفة نسبهم، غريب في معاشرته لهم لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم. وبالجملة فهو غريب في أمور دنياه وآخرته، لا يجد من العامة مساعدا ولا معينا، فهو عالم بين جهال، صاحب سنة بين أهل بدع، داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع، آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر والمنكر معروف).

وغربة المؤمن، حين فساد الناس، هي في أحد معانيها من أعظم الجهاد عند الله لقول نبيه عليه السلام: (أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله عز وجل). وإذا ملأت تلك المعاني نفس المؤمن لم يعد عنده إلا أنْ تطمئن بالغربة نفسه، وتندفع بها إلى الغايات روحه، فيسمو فوق كل ما على الأرض من أسباب الشد إلى الوراء والإخلاد إلى الأرض .. يقول ابن القيم: (ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا فإنهم لم يأووا إلى غير الله ولم ينتسبوا إلى غير رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يدعوا إلى غير ما جاء به وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم فيقال لهم ألا تنطلقون حيث انطلق الناس فيقولون فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده.

فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر الناس وجفوه).

وهل أعظم من أنْ تكون غربة المؤمن شهادة له من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه على الحق ولنقرأ حديث رسول الله عليه السلام: (طوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم).


السبب الثالث: الكثرة …

لا زال سلطان الكثرة مُحَكَّماً عند كثير من المسلمين في أمور الدين، وليس هذا من الصواب في شيء. ولذلك سببان: الأول المفهوم العام للأكثرية، وأنّها مدعاة إلى تأكيد الصواب والاطمئنان، وهذا أمر صحيح في القضايا الدنيوية. فالرأي الذي عليه أربعة أطباء أصوب، وأدعى للاطمئنان من رأي الواحد أو الإثنين، وكذلك الحال مع المهندسين والبنائين وأهل كل فن دنيوي .. أما السبب الثاني فهو ما هو منتشر في كتب الفقه من ترجيح رأي (الجمهور) ويقصد بذلك ثلاثة أئمة من أصل أربعة، وهو خطأ أيضاً، لماذا؟ لأنّ اعتبار الكثرة في أمر الدنيا منطقي وعقلي. فما دام المرجع هو العقل البشري، في أمور الدنيا، فالصواب في النظرة البشرية مع العقول الأكثر .. أما في أمر الدين فالحكم لنصوص الوحيين، وليس للعقل البشري. فالوحي خير من الكون بكل من وما فيه.. وقد أبطل الله حكم الأكثرية في الدين بقوله: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ). وصح عن ابن مسعود قوله: (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك). ومع ذلك فأكثر المسلمين لم يستطيعوا أنْ يتحرروا من هذا الوهم، وكما أسلفت قبل قليل فما زالت كتب الفقه وكثير من البحوث الفقهية ترجح ما عليه جمهور الفقهاء وإنْ كان الدليل خلافه..!

فيا أخي المسلم كن على بينة من أمرك في دين الله، والتزم القواعد الصحيحة التي عليها العلماء الربانيون، ولا تغرنَّك الكثرة، ولا توحشنَّك الغربة، ولا تشوشنَّك الحيرة، واستعن بالله ولا تعجز، وامض إلى الغاية على هدي منهج (ما أنا عليه وأصحابي) بلا تعثر .. والله يتولاك.

فهذا الحق ليس به خفاء فدعني من بُنَيَّات الطريق