Skip to main content

شَرْحُ حَدِيثِ سُجُودِ الشَّمْسِ تَحْتَ العَرْشِ

By الثلاثاء 19 شوال 1436هـ 4-8-2015ممحرم 20, 1441بحوث ومسائل, حديث

عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ غربت الشَّمْس: (أَيْن تذْهب؟). قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا وَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا وَيُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (والشمسُ تجْرِي لمستقرّ لَهَا) قَالَ: (مستقرها تَحت الْعَرْش)). مُتَّفق
عَلَيْهِ

ولشرح الحديث لا بد من قواعد تحدد كيفية التعامل مع مثل هذه النصوص، أعني النصوص التي تتكلم في موضوعات من الغيب. وإليكم هذه القواعد:

أولاً: إنّ العقل البشري لم يخلق للتعامل مع أمور الغيب. لأنّ وسيلة العقل في التعامل مع ما حوله، وإن شئنا قلنا إنّ نافذة العقل على ما يحيط به الحواس من بصر وسمع ولمس وشم، وكل هذه الحواس لا دور لها في الغيب. لنقرب الفكرة؛ فالغيب نوعان نسبي ومطلق. فالنسبي يمكن أن نصفه بأنّه مؤقت. فما يجري في الغرفة المغلقة عنك في بيتك غيب بالنسبة لك ما لم تدخلها أو يحدثك أحد عنها أو يكون فيها آلة تصوير، ولنقل الشيء نفسه عن بيت مجاور أو بلدة مجاورة، أو دولة في أي مكان، أو كوكب بعيد..! أما الغيب المطلق فهو لله وحده تبارك وتعالى، وقد وصف نفسه قائلا: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا). وهذا النوع من الغيب، الخاص بالله وحده، تقدست أسماؤه، مغلق تماماً على العقل البشري، لأنّ الحواس لا تصل إليه، كما قدمنا، وقد قال الله في حق الكافر: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا).

ومن أمثال الغيوب التي ليس للعقل فيها دور، أسماء الله وصفاته، وعلمه وتدبيره وقدره، وكل ما يخص يوم القيامة، والجنة والنار، والحساب، والملائكة والعرش، وعالم الجن، وغير ذلك.

ثانياً: أن نؤمن بالغيب، وليس مؤمناً من لم يؤمن بالغيب، وفي القرآن آيات عديدة منها: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)، (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ)، (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ)، (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ)، (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ).

ويطرح سؤالٌ نفسه: كيف يأمرنا ربنا بالإيمان بالغيب ونحن نجهله؟ والجواب: إنّ الله أطلعنا على بعض الغيوب، كتعريفه لنا بأسمائه وصفاته، وبعض أوصاف الجنة والنار، وأحوال الناس فيهما، وبعض مشاهد يوم القيامة، وعن عذاب القبر وسؤاله، إلى غير ذلك. ووسيلة ذلك الآيات، والأحاديث الصحيحة من السنة.

ثالثاً: بناء على ما تقدم، فإنّ بيننا وبين الغيب المطلق، قناة واحدة فقط، وهي نصوص الوحيين. وينبني على هذا أن نتوقف في ما أطلعنا الله عليه من بعض الغيوب، في حدود ما جاء في النص دون أدنى زيادة.

رابعاً: استكمالا للفقرة السابقة، فإنّ كل تعامل مع أمور الغيب خارج إطار النصوص من الوحيين اقتراف لأعظم ذنب، وهو القول على الله بغير علم .. وهو مما يأمرنا به الشيطان ليوقعنا في غضب الله. ولنقرأ هاتين الآيتين .. قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وقوله: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).

والحديث الذي بين أيدينا فيما يخص الشمس هو من (المتفق عليه) وهو أعلى وصف للصحة في أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام. فلنُعْمل فيه القواعد المذكورة لأنّه حديث غيب .. وبرغم كل ما في علم الفلك، فالصحيح منه مشاهدات لعلماء الفلك من خلال التلسكوبات الحديثة، ولا نعتبرهم رأوا كل شيء في هذا الكون، والحديث جاء بالأمور الغيبية غير المرئية .. وكل من صنع الله، فنقول صدق الله وصدق رسول الله، ونسلم تسليماً، ولا نُدخل العقل في ذلك .. وليس ضروريا أن نوجد التعارض والتناقض بين الحديث وما جاء في علم الفلك، فهذا من عالم الشهادة المحسوس، وذاك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله .. والله أعلم.