مما يفتريه أعداء الدين، على الإسلام، وما أكثر افتراءاتهم، أن يقولوا إنّ الإسلام لا يُعنى إلا بأمر الآخرة وما يتصل بها من أمر العبادات. وينفون عن الإسلام أي عناية بالأخلاق، وعلاقات الناس فيما بينهم، وما يُصلح الحياة الدنيا بكل نواحيها .. ويكفي أن نرد بكلمتين: ذلك محض افتراء .. ولعل هذا الحديث، وما يعالجه في حياة الناس الفردية، وممارساتهم اليومية، لتجنيب الناس سوء العواقب، وهو غيض من فيض يبطل مزاعم الأعداء: قال عليه الصلاة والسلام: (من بات فوق بيت ليس له إجار فوقع فمات فبرئت منه الذمة، ومن ركب البحر عند ارتجاجه فمات، فقد برئت منه الذمة). (إجار: حاجز. ارتجاجه: هيجانه).
تجتمع في هذا الحديث الصحيح مجموعة من تعاليم الإسلام ومقاصده، أبرزها حفظ النفس، وأن لا يُلقي الإنسان بيده إلى التهلكة، وأنّ اتخاذ الأسباب من أجل السلامة لا يتعارض مع التوكل والإيمان بالقدر. وبخاصة مع الآية الكريمة: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) .. موضوعات يكتب فيها قراطيس. وكل هذه المعاني جمعها من أوتي جوامع الكلم، صلى الله عليه وسلم، في سطرين اثنين…! والحديث واضحةٌ معانيه، إلا عبارة: (فقد برئت منه الذمة)، فلا بد من معرفة المقصود من العبارة.
يقول المناوي في فيض القدير: (أي أزال عصمة نفسه وصار كالمهدر الذي لا ذمة له فربما انقلب من نومه فسقط فمات هدرا من غير تأهب ولا استعداد للموت. قال الزمخشري: وذلك لأنّ لكل أحد ذمة من الله بالكلاءة، فإذا ألقى بيده إلى الهلكة فقد خذلته ذمة الله وتبرأت منه).
وجاء في عون المعبود في شرح سنن أبي داود: (يريد أنّه إن مات فلا يؤاخذ بدمه أحد). وقيل: (إنّ لكل من الناس عهدا من الله تعالى بالحفظ والكلاءة، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة انقطع عنه).
وأضيف من عندي معنى لم أجده عند من فسروا الحديث، وهو أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في ما يرويه جابر بن عتيك مرفوعا: (الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمع شهيدة). فالنبي صلى الله عليه وسلم ألحق إذن بالشهادة من مات بحوادث من غير فعله كالغرق والهدم، وقاس عليها بعض المعاصرين حوادث السيارات، وهو وجيه ما دامت الحادثة قد وقعت من غير كسب راكب السيارة، كمخالفة مرورية، أو قيادة متهورة، أو أي إخلال بضوابط السلامة. ويمكن أن تكون حادثة الموت بسبب السقوط من سطح، ملحقة بتلك الأشياء السبعة في عداد الشهداء. لكنّ الساقط لو كان نومه على سطح لا إجار له، صار مفرطا لعدم اتخاذ أسباب السلامة، فيفوت على نفسه بتفريطه أن يكون شهيدا مثل صاحب الهدم والغرق. وهذا، والله أعلم، معنى (فقد برئت منه الذمة) إضافةً إلى المعاني السابقة التي ذكرها العلماء آنفا.
ثم أحب أن أضيف أمراً، وهو اجتهاد مني، بأن يُلحق بالشهادة من باب القياس على الحادثة المذكورة في الحديث، حالات أخرى، لعموم البلوى بها اليوم، مثل حوادث السيارات .. ولا يخفى عليكم أنّ كل أنواع السيارات فيها عند سرعة 110 -120 كم في الساعة إشارة حمراء، وبعض السيارات تخرج صوتا لتنبيه السائق ما دام متجاوزا للسرعة المذكورة. ما معنى ذلك؟ كأنّ الشركة الصانعة والأعلم بكفاءة منتوجها تقول لك: إنّ السلامة بعد هذه السرعة غير مضمونة العواقب فنيا .. وأنا أشبه السائق المتجاوز للسرعة المحددة، بالنائم على سطح لا حاجز له، فإن وقع له حادث فقد (برئت منه الذمة)، والله أعلم. ولقد حدثني طبيب مسؤول عن العناية المشددة في أحد المشافي، بأنّ أكثر النائمين على أسرة العناية المشددة، هم ضحايا السرعة في القيادة، وقد يمكث بعضهم سنوات، بحالة تسمى طبيا بالحياة النباتية، إن لم تخني الذاكرة.
ولا يفوتني أن أعلق حول الجزء الثاني من الحديث، وهو ركوب البحر الهائج. وأود إسقاطها على حوادث مأساوية ليست منا ببعيد، ألا وهي الرحلات البحرية للمهاجرين السوريين وغيرهم، عبر البحار، بوسائط أبسط ما يقال فيها إنّها بدائية، (قوارب مطاطية) تُحمَّل عشر أضعاف طاقتها، فيكون مصيرها الغرق. وكل من ركبها كان واضحا لديه الأخطار التي تحفها، ومع ذلك ألقى فيها بنفسه وزوجه وأطفاله، وإلى الله المشتكى.
ويكثر اليوم في عالم الصناعة، الحديث عن إجراءات السلامة، وهناك تفتيش باستمرار، يعاقب ويغرم المستهترين، ولمَ لا نقول إنّ للإسلام سبقاً كبيراً في مضمار السلامة من خلال هذا الحديث النبوي، وما يمكن أن يحمل عليه من معانٍ وحالات، قياسا على ما جاء فيه … والحمد لله أولا وآخرا
اكتب النص هنا