@import url(https://db.onlinewebfonts.com/c/dd1e2ecd17620c6c80cdc79f20aa1bde?family=Simplified+Arabic);
مقالات

لا نَجـــاةَ مَعَ المُثَــــنَّاة!

By مايو 12th, 2026No Comments

أعترف أنّ العنوان غامض وغريب! وحُقَّ لمن يعتقد ذلك. وسيأتي البيان! سأبدأ البيان بعبارة أكثرَ من رائعة، للإمام مالك رحمه الله. يقول فيها: (إنّ السنة كسفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تركها غرق!). وصدق من قائل. فغربة العنوان نتيجةٌ لغربة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة بين المسلمين اليوم! ويقطع كلَّ قولٍ قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من اقترابِ (وفي رواية: أشراطِ) الساعة أن تُرفَعَ الأشْرارُ، وتوضَعَ الأخْيارُ، ويُفتَحَ القولُ، ويُخْزَنَ العملُ، ويُقرَأَ بالقومِ المُثَنَّاةُ، ليسَ فيهم أحدٌ يُنكِرها) قيل: وما المُثَنَّاةُ؟ قال: ما اسْتُكْتِبَ سوى كتابِ اللهِ عزَّ وجَلَّ).
وإنّه، بأبي هو وأمي، في هذا القول، يُبَصِّرُ المسلمين اليوم بواقعهم الأليم بل الخطير بل المتردي! وأقول: لست متشائما أبدا، لمن يستنتج ذلك من سردي تلك المفردات القاسية. فتوصيف الواقع المرير بما فيه ليس تشاؤما إنّما هو خوفٌ، وحرصٌ، وألمٌ، لما آل إليه حال المسلمين اليوم، ولا يزال الغيُّ متماديا، وأهل الإصلاح ما يزالون غرباءَ، بل مُتَّهمينَ مُحارَبين! واللهِ إنّي لأخافُ أن نكون على غير ما يرضي الله، وأن تكون أعمالنا مُحْبَطَةً، تُضرب بها وجوهنا!
ولن أطيل قبل أن أريكم ما يقيني سوء الظن ممن يقرأني، فقد صار ذلك الأمر المقيت اليوم في تعاملنا شائعا، وذلك لأنّنا فقدنا كثيرا من التأهيل في السنين العجاف الماضية، وخوت تلك السنونَ من كلِّ ما هو خَيِّرٌ وبَناءٌ وإيجابيٌ. يُبرهنُ ما ذهبت إليه، ويَعضُده، ويَجُبُّ عني تهما ظالمة أنا منها براء، قولُ رسولِ الله صلوات الله وسلامه عليه فيما صح: (إِنَّ الْأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ). وهذا التقرير النبوي محسوس ملموس مدسوس يكتشفه بسهولة من يخالط الناس في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها بلادنا!

وعدتكم أن لا يطول انتطاركم وأنتم تطلبون الإيضاح، لتزول غربة العنوان فإليكموه. بداية، أطلب من قرائي لطفا، أنْ يعيدوا قراءة الحديث مليا وبإمعان جيد. ثم يقفوا مع موضعين ويطيلوا التفكر! الموضوعان هما: (أن تُرفَعَ الأشْرارُ، وتوضَعَ الأخُيارُ، ويُفتَحَ القولُ، ويُخْزَنَ العملُ، ويُقرَأَ بالقومِ المُثَنَّاةُ، ليس فيهم أحدٌ يُنْكرها). و(قيل: وما المثناة؟ قال: ما اسْتُكْتِبَ سوى كتاب الله عز وجل). لعلي أزيدكم إيضاحا. لتعوا تماما ما أريد منكم أن تعوه من هذا الحديث، بطرحي عليكم سؤالين:
هل ما ذكره نبي الأمة من الرفع..؟ والوضع..؟ ومن انتشار القول، وانحسار العمل، وقراءة المثناة؟ هل هو واقعٌ اليوم بين المسلمين؟ ومع المشايخ ومن يدعون أنفسهم علماء؟ والسؤال الثاني. حاولوا أن تؤكدوا تماما على فهمكم الصحيح لمعنى (المُثَنَّاة) كما شرحه راوي الحديث عبد الله بن عمرو، وإذا شرح راوي الحديث لا يُعتبرُ أَيُّ شرح بعده، لأنّ قاعدة المحدثين. تقول: (راوي الحديث. أدرى بما روى).
وسأنتقل معكم إلى مرحلة أخرى، أوفر أن أتكلم، وأُسْمِعكم كلام من هو أعلم، شيخنا الألباني رحمه الله في كلام وتعليق على الحديث المذكور، في السلسلة الصحيحة بعد أن درس أسانيد الحديث وطرقه كلها، وحكم عليه بالصحة، مع إيراد أسماء بعض من صححه من علماء الحديث، ثم أراد أن يسقط ما جاء فيه على واقع المسلمين اليوم. وإلى ذلك:
(هذا الحديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، فقد تحقق كل ما فيه من الأنباء ، وبخاصة منها ما يتعلق بـ (المثناة) وهي كل ما كتب سوى كتاب الله كما فسره الراوي، وما يتعلق به من الأحاديث النبوية والآثار السلفية، فكأن المقصود بـ (المثناة) الكتب المذهبية المفروضة على المقلدين. التي صرفتهم مع تطاول الزمن عن كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما هو مشاهد اليوم مع الأسف من جماهير المتمذهبين، وفيهم كثير من الدكاترة والمتخرجين من كليات الشريعة، فإنهم جميعا يتدينون بالتمذهب، ويوجبونه على الناس حتى العلماء منهم، فهذا كبيرهم أبو الحسن الكرخي الحنفي يقول كلمته المشهورة: كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ  فقد جعلوا المذهب أصلا، والقرآن الكريم تبعا، فذلك هو (المثناة) دون ما شك أو ريب).
وأريد أن أدلي بدلوي، فأُلَمْلِمُ الموضوع، وأركزه تركيزاً شديداً، وفي عبارة واحدة، ابتغاء الاختصار، فأقول: إنّ كل ما ذكر في الحديث، وبضميمة نصوص كثيرة في هذا المجال، يمكن اختصاره في كلمات قليلة معبرة: إنّ مشكلة المسلمين اليوم هي بعدهم عن الوحيين. وأنّ أكثرهم يدينون ربهم بغير ما أمرهم به، فيما جاء بالوحي. وإنّما أدخلوا العقل مع الوحي، وقدموا أقوال الرجال على الوحي، فصار الدين غيرَ الدين، بل صار الدين ليس كله لله.
ولا ينبغي أن نُبعد عن هذا البحث الخطير، عن أحوال المسلمين اليوم، ما قاله ابن تيمية، قبل سبعة قرون تقريبا، في الفتاوى: (وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَقْلِيدُ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ . وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْتِزَامُ مَذْهَبِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ مَا يُوجِبُهُ وَيُخْبِرُ بِهِ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
ويقول، رحمه الله، في موضع أخر من الفتاوى: (فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَجْعَلَ الْأَصْلَ فِي الدِّينِ لِشَخْصِ إلَّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَقُولَ إلَّا لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَمَنْ نَصَّبَ شَخْصًا كَائِنًا مَنْ كَانَ فَوَالَى وَعَادَى عَلَى مُوَافَقَتِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَهُوَ {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} الْآيَةَ وَإِذَا تَفَقَّهَ الرَّجُلُ وَتَأَدَّبَ بِطَرِيقَةِ قَوْمٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَ: اتِّبَاعِ: الْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ قُدْوَتَهُ وَأَصْحَابَهُ هُمْ الْعِيَارُ فَيُوَالِي مَنْ وَافَقَهُمْ وَيُعَادِي مَنْ خَالَفَهُمْ فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُعَوِّدَ نَفْسَهُ التَّفَقُّهَ الْبَاطِنَ فِي قَلْبِهِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَهَذَا زَاجِرٌ. وَكَمَائِنُ الْقُلُوبِ تَظْهَرُ عِنْدَ الْمِحَنِ. وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَدْعُوَ إلَى مَقَالَةٍ أَوْ يَعْتَقِدَهَا لِكَوْنِهَا قَوْلَ أَصْحَابِهِ وَلَا يُنَاجِزَ عَلَيْهَا بَلْ لِأَجْلِ أَنَّهَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ أَوْ أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ لِكَوْنِ ذَلِكَ طَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ).
وإذا أردتم يا أيها المؤمنون الذين تدينون الله بمنهج (ما أنا عليه وأصحابي)، وأنتم مستمسكون بالعروة الوثقى لا انفصام لها، وأنتم يا أيها المؤمنون الذين شردتم عن المنهج الحق طويلا بتقليدكم من لا يؤخذ عنهم دين الله الحق، إليكم هذا النموذج الصارخ الفاجر من (المثنّاة) التي تدرس وتعلم للمسلمين اليوم…!
ولنقارن كلامنا العلمي الشرعي المؤصل السابق، مع كلام متعصبة المذاهب، البعيد عن الحق والمستوجب غضب الله! يقول: أحمد الصاوي في حاشيته على تفسير الجلالين : (ولا يجوز تقليد ماعدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل ، وربما أداه ذلك إلى الكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر). والمتكلم عالم أزهري مالكي المذهب، تخرج من الأزهر، ثم عُين مدرسا للمذهب المالكي في الأزهر. وقولوا بربكم أليس ما قاله هو المثنّاة؟!
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بين فسقه، ولكني أخاف عليها رجلاً قد قرأ القرآن حتى أزلفه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله).
وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال وهو على المنبر: (يا أيها الناس إنّ الرأي إنّما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبا إنّ الله كان يريه (إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) وإنّما هو منا الظن والتكلف).
وعن عبيد الله ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: (اتقوا الرأي في دينكم).
وعن صدقة بن أبي عبد الله أن عمر بن الخطاب كان يقول: (أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم).
وذكر ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم التيمي قال قال عمر بن الخطاب: (إياكم والرأي فإن أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلتت منهم أن يحفظوها فقالوا في الدين برأيهم). وتلك الآثار عن عمر في غاية الصحة.
وقد جاء في كتاب الموافقات للشاطبي: (الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف كما أنها في أصولها كذلك ولا يصلح فيها غير ذلك والدليل عليه أمور:
أحدها أدلة القرآن من ذلك قوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) فنفى أن يقع فيه الاختلاف ألبتة ولو كان فيه ما يقتضي قولين مختلفين لم يصدق عليه هذا الكلام على حال. وفي القرآن (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) الآية. وهذه الآية صريحة في رفع التنازع والاختلاف فإنه رد المتنازعين إلى الشريعة وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شيء واحد إذ لو كان فيه ما يقتضي الاختلاف لم يكن في الرجوع إليه رفع تنازع وهذا باطل وقال تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) الآية، والبينات هي الشريعة فلولا أنها لا تقتضي الاختلاف ولا تقبله ألبتة لما قيل لهم من بعد كذا ولكان لهم فيها أبلغ العذر وهذا غير صحيح).
وعن علي رضي الله عنه أنّه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه).
وعن عبد الله بن مسعود قال: (لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله أما أنّي لا أقول أمير خير من أمير ولا عام أخصب من عام ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم).
يقول ابن خلدون في مقدمته: (انقسم الفقه فيهم إلى طريقتين: طريقة أهل الرأي والقياس، وهم أهل العراق، وطريقة أهل الحديث، وهم أهل الحجاز، وكان الحديث قليلاً في أهل العراق كما قدمناه، فاستكثروا من القياس ومهروا فيه، فلذلك قيل أهل الرأي. ومقدم جماعتهم الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة، وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس والشافعي من بعده).
وقال ابن القيم في كتاب جلاء الأفهام: (وتبليغ سنته إلى الأمة افضل من تبليغ السهام في نحور العدو!! لأن تبليغ السهام يفعله الكثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء).
حشد من الأدلة، سقتها لتبين مدى البون الشاسع بين ما جاء عن أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، وبين ما يقرؤه كثير من المشايخ للمسلمين في كل ديارهم، وما ألصقه (المُثَنَّاة) التي جاء ذكرها في الحديث مع استحضار تفسير راوي الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص (قيل: وما المُثَنَّاةُ؟ قال: ما اسْتُكْتِبَ سوى كتابِ اللهِ عزَّ وجَلَّ)، (والراوي أدرى بما روى).

وبعد هذا العرض، هل من شك أنّ المسلمين يعيشون في معظم ديارهم مع (المُثَنَّاة)، تُتلى عليم آناء الليل وأطراف النهار من مشايخ السوء، وصار المسلمون يعيشون فتنة التبديل التي أنجبتها فتنة التأويل، أما الوحي فقد اتخذوه ظِهْرِيًّا. وقد وقعوا، ولا شك، في مكيدة المعتزلة، وفراخها، وصار كتابهم الذي يقرؤون فيه (المُثَنَّاة). فمن أين سيأتي الخير للمسلمين؟! وكيف لا يكونون في ذيل الركب في هذا العالم، تتخطفهم الناس من كل جانب. وإلى الله المشتكى.

وبعد أن أعطينا الأدلة الأولويةَ في العرض، فإلى زبدة البحث، لنخلص منها إلى نتيجة حتمية، نعبر عنها بالسؤال الآتي: ماذا يترتب على أي مسلم قرأ الحديث، وكل ما تداعى من تعليقات وتوصيات؟ كل ذلك سنوجزه قدر الإمكان في أسطر قادمة.
أولاً: إنّي لأعترف أنّي عرفت هذا الحديث منذ أربعين سنة تقريبا، ولكنّي قرأته مع بعض الأصحاب وشرحته وتجاذبنا الحديث حوله ليس أكثر. أما اليوم فقد كان تفاعلي معه أضعافا مضاعفة عما حدث قديما! وألخص تفاعلي مع الحديث وانفعالي، وحفاوتي به، إلى الحد الذي دفعني إلى كتابة هذا الموضوع لنشره في الموقع، وإنّي لأعتبره بحق ورقة عمل، وقاعدة انطلاق لتنظيم حراك المسلمين في هذه الفترة المصيرية من حياتنا، مع ما قدر الله من فرج وتحرير لبلادنا، وما يكتنف هذه الحقبة من مسؤوليات عظام وواجبات جسام!
ثانياً: تعيش بلادنا اليوم مرحلة متميزة من تاريخها بعد أن أخذت الأهواء الداخلية، والصراعات البينية، والعداوات الخارجية من جسد أمة الإسلام، ومن مستقبلها الذي كان ينبغي أن تتبوأ فيه مركز الريادة لأهل الأرض، وقد نُدبَتْ لهذا الدور في قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ). واليوم بعد أن مَنَّ الله بفرج وتحرير وهو معجزة القرن بامتياز، وحبانا الله من فضله مِنَّةً ونعمةً ورحمةً، فكيف نشكر الله على آلائه، ونحمده على نعمائه؟ إلا بعمل دؤوب مؤصل شرعيا، يستبعد أول ما يستبعد ثلاث آفاتٍ خطيرة أنهكت العمل الإسلامي في القرن الماضي، حتى عجز عن تحقيق انتصار يذكر في تاريخ الأمة، التي صارت عليلة بثلاثة أدواءٍ دويةٍ: الغيبةِ، والغثائيةِ، وانكِفاءِ دينها، كما جاء في حديث معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (وايم الله إنّ أمتي ليُكفأَنَّ دينُها كما يُكْفَأُ الإناءُ في البطحاء)، وقد تكون الثلاثة مجتمعة! فما هي تلك الآفات التي فعلت ذلك الفعل؟ إنّها التفرق، والاستعجال، والعواطف التي هي العواصف.
ثالثاً: ما المعالجة؟! علاجٌ واحدٌ شرعيٌ ناجعٌ، بإذن الله، لكل مصيبة أصابت وتصيب المسلمين، الاسم الجامع لذلك العلاج، ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال معاذ قال رسول الله: (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، قَالُوا: فَكَيْفَ لَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَوْ كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: تَرْجِعُونَ إِلَى أَمْرِكُمُ الْأَوَّلِ). رسول الله عليه الصلاة والسلام ليس من هديه كثرة الكلام، إنّ ديدنه في ذلك الإيجاز، لأنّه كما وصفه ربه (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، أما أمته فقد فشا فيهم علم الكلام، وهو من ضلالات الاعتزال الذي نجح في اقتحام عقول بعض العلماء، فتركوا الوحي لمخرجات العقول ولم يتحرجوا من ترديد مقولة يعلمونها للأجيال (إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل)، وقد قالها كبيرهم الفخر الرازي وغيره.
(تَرْجِعُونَ إِلَى أَمْرِكُمُ الْأَوَّلِ) علاج المسلمين من كل الأمراض التي زرعتها فيهم (المُثَنَّاة)، وما هو الأمر الأول؟ لم يسأل الصحابة نبيهم هذا السؤال، لأنّه منغرس في فطرهم وسلائقهم، لم تفسدهم (المُثَنَّاة)، عاشوا يعتصمون بشيء واحد وهو الوحي، فيه العافية، وحسن العاقبة، ورضا الجبار، ولتخسأ (المُثَنَّاة) ومن احتفى بها، وستقودهم إلى النار ولبئس القرار!
وإنّ الإصلاح في الإسلام لن يكون بتجميع المسلمين على كلمة سواء اتفق عليها شركاء متشاكون، كل له جهة يأوي إليها، ولا يرى غيرها، ولكنّه تعلم من أهل السياسة مبدأ إمساك العصا من الوسط يندفع به إلى طاولة التحالف المستديرة فيكون أهل ذاك الجمع كما وصفهم الله (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ).
إنّما يكون الإصلاح في الدين جمعَ المسلمين على الوحي، وليس على كلمة سواء يتفق عليها أهل الأهواء! ولنقرأ قول ربنا: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
رابعاً: عود على بدء، وإلى العنوان (لا نَجـــاةَ مَعَ المُثَــــنَّاة!)، كيف يرجى منها النجاة وهي من نزغ الشيطان، ليستأصل الوحي من النفوس ويخرجه من القلوب، ولنقرأ قوله تعالى: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ). تلك هي (المثناة)، وذلك هو من وسوس بها…!

واعلموا أيها المسلمون، ويا أيها المؤمنون، يا من إلى الإصلاح تسعون، إنّ أول خطوة على طريق الإصلاح الديني هي نزع (المُثَنَّاة) من القلوب، ووأدها حتى تغيب من واقع المسلمين، ووالله لن ينفع عمل إصلاحي قبل زوالها، واحفظوا عن كاتب هذه السطور لا نَجـــاةَ مَعَ المُثَــــنَّاة!.

والحمد لله رب العالمين